مَن شَج “بنت الفران”؟ .. مهنة تحول العجين إلى عماد موائد المغاربة

محمد مومن13 أبريل 2025آخر تحديث :
مَن شَج “بنت الفران”؟ .. مهنة تحول العجين إلى عماد موائد المغاربة

في أزقة المدن العتيقة وأحياء المغرب الشعبية، تتعالى رائحة الخبز الدافئ المنبعثة من “الفران البلدي”، حيث تتردد أقدام النساء في ساعات الفجر الأولى، حاملات قَلاليب العجين بعناية الأم وحرص ربة البيت. وفي قلب هذا المشهد التقليدي، تقف “بنت الفران” — رمز لصبر النساء وقوتهن — شاهدة على مهنة تنبض بالحياة، لكنها تئن تحت وطأة الإهمال والتجاهل الاجتماعي.

“بنت الفران”، أو “خَدّامة الفران” كما يسميها البعض، ليست مجرد عاملة تُدخِل الأرغفة إلى جَوف النار وتخرجها بنضجها الذهبي. إنها سيدة تُتقن فنون العجين دون أن تعجنه، تفهم حرارة النار دون ميزان، وتَعرف زبائنها من شكل أرغفتهم، تحفظ ترتيب الطلبيات وسط فوضى الدقيق واللهب.

تبدأ يومها قبل أن تستيقظ المدينة، تُنظف “الفران”، تُوقد النار، وتتهيأ لاستقبال العجين من عشرات البيوت. تقف بالساعات في مواجهة الحرارة، تنقل الخبز بعصيّ طويلة، وتُعيد الأمانة إلى أصحابها بوجه مبتسم، وإن أثقلتها التعب.

ورغم أنها تُعدّ جزءاً من نسيج الحياة اليومية للمغاربة، إلا أن “بنت الفران” ظلت مغيبة عن أبسط مظاهر التقدير. لا غطاء اجتماعياً يحميها، ولا قوانين تنظّم وضعها المهني، ولا صوت إعلامي يروي حكاياتها. تسير في الهامش، لكن دورها مركزي في تغذية الأسر، خاصة في الأحياء الشعبية حيث تظل أفران الحي أكثر من مجرد مكان لطهي العجين، بل فضاءً للتواصل والتكافل.

وجود “بنت الفران” لا يقتصر على وظيفة بل يحمل رمزية ثقافية واجتماعية عميقة. فهي تمثل جيلاً من النساء اللواتي لم يُمنحن فرص الدراسة أو التكوين، فاخترن أن يصنعن الكرامة من بساطة العمل. هي مربية أحياناً، ومستشارة لأمهات الحي، وصاحبة العين الساهرة على خبز الآخرين قبل أن تفكر في خبزها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة