المغرب يعيد ضبط قواعد الإثبات الجنائي: إصلاح تشريعي يعزز ضمانات المحاكمة العادلة

محمد مومن4 يناير 2026آخر تحديث :
المغرب يعيد ضبط قواعد الإثبات الجنائي: إصلاح تشريعي يعزز ضمانات المحاكمة العادلة

شعيب خميس/ أخبار المهاجر

صادق البرلمان المغربي على تعديلات هامة مست قانون المسطرة الجنائية، في إطار إصلاح تشريعي يروم تحديث منظومة العدالة الجنائية وإعادة تنظيم قواعد الإثبات، بما يحقق توازناً أدق بين متطلبات الزجر وحماية الحقوق والحريات، ويعزز مبدأ الاقتناع الصميم للقاضي في إطار احترام ضمانات المحاكمة العادلة.

ووفق ما تضمنته مستجدات القانون رقم 03.23، كما وردت في وثائق صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فقد همّت هذه التعديلات بشكل أساسي مراجعة حجية وسائل الإثبات الجنائي، وعلى رأسها محاضر الشرطة القضائية، مع توسيع نطاق السلطة التقديرية للمحكمة في تقييم الأدلة وعدم التعامل معها كقرائن قطعية.

تنظيم حجية محاضر الشرطة القضائية

في ظل الصيغة السابقة لقانون المسطرة الجنائية، كانت محاضر الشرطة القضائية تتمتع بقوة إثباتية وازنة، وغالباً ما يُبنى عليها الحكم بالإدانة، وهو ما أثار نقاشاً قانونياً حول مدى انسجام ذلك مع مبدأ قرينة البراءة. وجاءت التعديلات الجديدة لتضع إطاراً قانونياً أكثر دقة، من خلال المواد 289 و290 و291، التي ميّزت بين المحاضر المستوفية لشروط المعاينة الشخصية وبين غيرها.

وبموجب هذه المقتضيات، حصر المشرّع الحجية القوية في محاضر الجنح والمخالفات التي ينجزها ضباط الشرطة القضائية وفق شروط شكلية وموضوعية محددة، في حين اعتُبرت باقي المحاضر مجرد تصريحات تخضع للتقدير الحر للمحكمة، ويمكن استبعادها متى لم تكن كافية لتكوين اقتناع قضائي سليم.

تقييد شهادة المتهم وتعزيز قرينة البراءة

وعالج القانون بشكل واضح مسألة شهادة متهم ضد متهم آخر، حيث نصت المادة 286 على عدم جواز الاعتماد على هذه الشهادة وحدها كأساس للإدانة، إلا إذا كانت مدعومة بقرائن قوية ومترابطة. كما اعتُبرت هذه الإفادات عناصر استئناس تُقدَّر من طرف المحكمة، ولا ترقى إلى مرتبة الدليل القاطع في غياب أدلة مادية داعمة.

ويعكس هذا التوجه التشريعي حرص المشرّع على الحد من مخاطر الإدانة المبنية على تصريحات فردية، وترسيخ مبدأ تفسير الشك لفائدة المتهم.

تقنين الاستماع إلى عناصر الاختراق الأمني

ومن بين المستجدات البارزة التي جاء بها القانون رقم 03.23، التنصيص لأول مرة على إمكانية الاستماع إلى ضباط أو أعوان الشرطة المكلفين بعمليات الاختراق الأمني بصفتهم شهوداً محميين، وذلك وفق المادة 296. وقد قيّد المشرّع هذا الإجراء بضوابط صارمة، من بينها ضرورة أن تكون الشهادة الوسيلة الوحيدة لإثبات الحقيقة، وألا يترتب عنها كشف هوية الشاهد أو تعريض سلامته للخطر، مع إخضاع مسطرة الاستماع لمقتضيات قانونية خاصة تضمن الحماية اللازمة.

تعليل الأحكام وضمان المحاكمة العادلة

وتؤكد هذه الإصلاحات مجتمعة على الدور المحوري لتعليل الأحكام القضائية، حيث أصبح القاضي ملزماً ببناء قناعته على أسس واقعية وقانونية واضحة، مع التصريح بالبراءة عند غياب أدلة قاطعة، إعمالاً لمبدأ قرينة البراءة وضماناً لحقوق الدفاع.

وبذلك، يشكل القانون رقم 03.23 محطة مفصلية في مسار تحديث العدالة الجنائية بالمغرب، من خلال إعادة تنظيم منظومة الإثبات على أسس أكثر توازناً ووضوحاً، بما يعزز الثقة في القضاء ويكرس دولة الحق والقانون.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة