**من يدي العلّامة محمد يسف… ملامح شيخ في وجدان تلميذه**

محمد مومن18 أبريل 2026آخر تحديث :
**من يدي العلّامة محمد يسف… ملامح شيخ في وجدان تلميذه**

الشريف سيدي مومن بنعلي.

ليس من السهل على القلم أن يفي بحقّ رجلٍ امتد أثره في الزمن، وتغلغل حضوره في العقول والقلوب، حتى غدا جزءًا من الذاكرة العلمية والوطنية. ذلك هو حال الحديث عن أستاذنا وشيخنا، العلّامة محمد يسف، الذي لم يكن مجرد أستاذ جامعي يؤدي وظيفة التعليم، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، تُخرّج الرجال قبل أن تمنحهم الشهادات، وتبني العقول قبل أن تملأها بالمعارف.

تعرفتُ على العلامة الدكتور محمد يسف عن قرب، وأنا طالبٌ يافع في رحاب كلية الشريعة بفاس سنة 1993م، يوم كان عميدًا لها، يحمل همّ العلم ورسالة التربية، ويجمع بين صرامة المسؤولية ورِقّة المربّي. لم يكن حضوره عاديًا، بل كان يشيع في أرجاء الكلية روح الجدية والانضباط، ممزوجةً بنَفَسٍ تربوي عميق، يجعل الطالب يشعر أنه أمام عالمٍ يُدرك تمامًا معنى الرسالة التي يحملها.

كنا نراه أكثر من عميد؛ كان قدوةً صامتة، تنطق أفعاله قبل كلماته. لم يكن يكتفي بإلقاء المحاضرات أو تدبير الشأن الأكاديمي، بل كان يغرس فينا، دون ضجيج، معاني الانتماء إلى هذا الدين، والاعتزاز بالثوابت، والوعي بدور العالم في مجتمعه. وكانت توجيهاته، وإن بدت عابرة حينها، تترسخ في النفس، لتظهر آثارها بعد سنوات، حين ينضج الفهم وتتكشف التجارب.

ثم دارت الأيام، وتفرّق الطلبة في مسارات الحياة، يحمل كلٌّ منهم نصيبًا من ذلك الغرس المبارك. ولم أكن أعلم أن تلك البذور التي زرعها شيخنا ستنمو يومًا لتُثمر في أرضٍ بعيدة، خارج الوطن، حيث شاء الله أن أكون من المشتغلين بالعلم في المهجر، أتحمل جزءًا من مسؤولية تبليغ الرسالة في سياقات جديدة.

وبعد سنوات، تجدد اللقاء بالشيخ، لكن في مقامٍ مختلف، خلال مشاركتي في الدروس الحسنية الرمضانية سنة 2008م. كانت لحظة مفعمة بالدلالات، تعكس عناية المغرب بالعلم والعلماء، وتؤكد استمرارية الرسالة. قصدتُ مكتبه بالمجلس العلمي الأعلى، حيث كان يشغل منصب الأمين العام، وألقيت عليه السلام، لكنه لم يتعرف عليّ في البداية، بعدما غيّرت السنون الملامح.

عرّفته بنفسي، فاستعاد الذاكرة سريعًا، وأشرق وجهه بفرح صادق، وقال بلهجة يغمرها الاعتزاز: “ما شاء الله… لم أتصور أن أحد طلبتي سيصبح من العلماء المغاربة في بلاد المهجر، ويشارك في الدروس الحسنية!”. ثم أضاف عبارته التي لا تزال عالقة في ذهني: “الحمد لله أن مجهوداتنا لم تذهب سدى.”

في تلك اللحظة، أدركت أن العالم الحقيقي لا يقيس نجاحه بما يحققه لنفسه، بل بما يتركه من أثر في غيره. وأن الأستاذ الصادق هو الذي يرى في تلامذته امتدادًا له، واستمرارًا لرسالته.

لقد كان للعلامة محمد يسف دور محوري في تدبير الشأن الديني بالمغرب، حيث أسهم في تأطير العلماء، وتعزيز دور المجالس العلمية، وترسيخ نموذج ديني قائم على الوسطية والاعتدال، في إطار الثوابت الوطنية. ولم يكن ذلك مجرد عمل مؤسساتي، بل مشروع فكري وتربوي متكامل، هدفه حماية الهوية الدينية وربط العلم بواقع الناس.

وإذا كان الشيخ قد أسهم في بناء المؤسسات، فإنه قبل ذلك أسهم في بناء الإنسان. فقد كان يؤمن أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح العقول، وأن العلم مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون رصيدًا معرفيًا. وكان يربط بين الاجتهاد والانضباط، بين الانفتاح والمرجعية، في معادلة دقيقة لا يوفق إليها إلا الراسخون في العلم.

ومن خلال تجربتي في المهجر، أدركت قيمة تلك التربية التي تلقيناها على يديه. فقد علمتنا كيف نحافظ على الثوابت ونحن ننفتح على العالم، وكيف نُبلغ رسالة الإسلام بلغة يفهمها الناس، دون تفريط في جوهرها.

إن الحديث عن الشيخ هو في حقيقته حديث عن جيلٍ من العلماء الذين حملوا همّ الدين والوطن، وأسهموا في بناء نموذج مغربي متميز. غير أن محمد يسف يظل من أبرز رموز هذا الجيل، بما جمعه من علمٍ راسخ، ورؤيةٍ متبصّرة، وأثرٍ تربوي عميق.

سيظل اسمه حاضرًا في وجدان كل من تتلمذ عليه أو تأثر به، لأن أثر المربين لا ينتهي بانتهاء مناصبهم، بل يستمر عبر الأجيال.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أعبّر عن امتناني العميق لهذا الرجل، الذي كان له فضل كبير في توجيهي وتشكيل مساري. أسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يبارك في عمره وعمله، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته.

تلك ليست مجرد كلمات، بل شهادة وفاء، واعتراف بجميل لا يُنسى، وتجديد لعهدٍ تربوي يربط بين الأجيال، ويؤكد أن العلم، حين يُؤخذ عن أهله، يتحول إلى نورٍ يهدي في دروب الحياة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة