في خضم النقاشات العالمية حول الأمن الغذائي والاتفاقيات التجارية، أثير مؤخراً جدل واسع في الأوساط المغربية بعد تقارير تُلمّح إلى ضغوط أمريكية تهدد الإنتاج المحلي لواحدة من أكثر الأكلات شعبية وانتشارًا في المغرب: العدس.
هذه البقوليات التي لطالما اعتُبرت “أكلة الفقراء” ووجبة أساسية في موائد المغاربة، خاصة في فصول الشتاء والأزمات الاقتصادية، أصبحت اليوم مهددة بفعل التغيرات التي يعرفها سوق الاستيراد، بعد توجه المغرب نحو فتح السوق أمام منتجات أمريكية بأسعار منخفضة، في إطار اتفاقيات التجارة الحرة.
العدس الأمريكي، المدعوم حكومياً والذي يُنتج بكميات ضخمة، يلقى طريقه إلى السوق المغربي بأسعار تقل أحياناً عن تكلفة إنتاجه محلياً. الأمر الذي تسبب في أزمة حقيقية لدى الفلاحين المغاربة، حيث أصبح الإنتاج الوطني مهدداً بالإفلاس بسبب عدم قدرته على المنافسة السعرية، ما قد يؤدي إلى تراجع زراعة العدس بشكل كبير، وبالتالي التبعية للأسواق الخارجية في منتج طالما ارتبط بالسيادة الغذائية.
اقتصاديون ومهنيون في القطاع الفلاحي حذروا من تداعيات هذا التوجه، مؤكدين أن المغرب قد يُقايض استقراره الغذائي على المدى البعيد بمكاسب تجارية ظرفية. كما دعت جمعيات لحماية المستهلك إلى وضع ضوابط تحمي المنتوج المحلي، وتدعم الفلاح المغربي الصغير، بدل الانخراط الأعمى في لعبة السوق المفتوحة.
من جهة أخرى، يرى المدافعون عن تحرير السوق أن استيراد العدس بأسعار منخفضة يُخفف العبء عن الطبقات الفقيرة ويُتيح للشرائح الهشة إمكانية توفير غذاء متوازن بثمن معقول، في ظل ارتفاع أسعار اللحوم والخضروات.
في انتظار حسم هذا الملف، تبقى “أكلة العدس” في المغرب عنوانًا لصراع صامت بين منطق السوق ومطلب السيادة الغذائية، وبين مصالح الفلاح البسيط واعتبارات التجارة الدولية.









