في تحول لافت يعكس ملامح اندماج متنامٍ، بدأ حضور المغاربة داخل المؤسسات الرسمية الإسبانية يبرز بشكل أوضح، لاسيما في صفوف الحرس المدني الإسباني (Guardia Civil)، أحد أعرق الأجهزة الأمنية في البلاد. ظاهرة لم تكن لتُتخيل قبل سنوات، لكنها اليوم تترجم واقعاً جديداً لجيل من أبناء الجالية المغربية الذين اختاروا الانتقال من هامش المجتمع إلى قلب مؤسساته.
أن ترى شاباً يحمل ملامح مغربية، يرتدي الزي الأخضر المميز للحرس المدني، ويقف بثقة في ميدان أمني أو عند نقطة تفتيش، هو مشهد بات مألوفاً في عدد من المدن الإسبانية. هؤلاء الشباب، غالباً من مواليد إسبانيا أو من الذين وفدوا إليها في سن مبكرة، اختاروا الانخراط في جهاز أمني يُعرف بصرامته وانضباطه، بعد اجتياز اختبارات معقدة، وتدريب مكثف لا يُفرّق بين الأصول، بل يعتمد الكفاءة والانضباط.
اللافت في هذه التجربة أن غالبية هؤلاء المنخرطين يحتفظون بهويتهم الثقافية والدينية، ويتحدثون العربية أو الدارجة المغربية بطلاقة، دون أن يُناقض ذلك انتماءهم الوطني الإسباني. هذا التوازن بين الهوية والانتماء يُعدّ من أهم عوامل نجاحهم في أداء مهامهم، خاصة في الأحياء التي تسكنها جاليات مغاربية، حيث يصبح العنصر المغربي حلقة وصل بين السلطة والمجتمع، ووسيطاً فعالاً في حل الأزمات وفهم الخلفيات الثقافية للسكان.
ظهور مغاربة في الحرس المدني لا يُمثل فقط نجاحاً شخصياً لأفراد اجتهدوا وتفوقوا، بل هو أيضاً تحدٍّ للصور النمطية التي لطالما لاحقت المهاجرين، وربطتهم بالجريمة أو الهشاشة الاجتماعية. هؤلاء الشباب يعيدون تشكيل صورة الجالية المغربية في إسبانيا، ويؤكدون أن الانخراط الإيجابي في مؤسسات الدولة ممكن، وأن الهوية المتعددة قد تكون مصدر قوة، لا عبئاً.
من جهة، تُوجّه هذه الظاهرة رسالة إلى المجتمع الإسباني مفادها أن المهاجرين ليسوا عبئاً، بل طاقة يمكن استثمارها في خدمة الأمن والاستقرار. ومن جهة أخرى، تُخاطب الجالية المغربية في الداخل والخارج، لتُحفّز أبناءها على الطموح، وتُشجعهم على الانخراط في العمل العام، دون خوف من الانتماء أو تردد في خوض غمار المؤسسات.
رغم هذه النماذج الناجحة، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، من بينها التمييز غير المعلن، والعراقيل الثقافية، ومحدودية تمثيل الجاليات في مواقع القرار. لكن حضور المغاربة في الحرس المدني يظل خطوة إيجابية في طريق طويل نحو مجتمع أكثر شمولاً وتعدداً.
فهل يكون هؤلاء الشباب نواة لجيل جديد يصوغ علاقة مختلفة بين الضفتين، تُبنى على المشاركة لا الهامشية، وعلى الثقة لا الشك؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.









