شعيب خميس/أخبار المهاجر
رغم تعاقب السنوات وتطور آليات الرقابة والتشريع، ما تزال الرشوة واحدة من أخطر الظواهر التي تنخر جسد المجتمعات، كفيروس مستعصٍ يصعب القضاء عليه بشكل نهائي. فبينما نجح العلم في ابتكار علاجات لأمراض معقدة، ظل هذا الداء الاجتماعي عصيًّا على الاحتواء، يتكيف مع مختلف الظروف ويجد لنفسه دائمًا منافذ جديدة للانتشار.
في السياق الراهن، يبدو أن مظاهر الفساد، وعلى رأسها الرشوة، قد عادت لتطفو على السطح بوتيرة مقلقة، حيث لم تعد مجرد سلوك معزول، بل تحولت لدى البعض إلى ممارسة عادية، بل إلى “ثقافة” غير معلنة تتغذى على منطق المحسوبية و”باك صاحبي”. هذا الأخير أضحى بمثابة الذراع المساعدة التي تُمكّن من تمرير المصالح خارج المساطر القانونية، مدعومًا بشبكة من الوسطاء الذين ينشطون في الخفاء والعلن على حد سواء.
خطورة هذا “الفيروس” لا تكمن فقط في انتشاره، بل في قدرته على التغلغل داخل البنية الذهنية والاجتماعية، حيث يضرب منظومة القيم ويؤثر على ثقة المواطن في المؤسسات. كما أنه لا يميز بين طبقة وأخرى، إذ يطال الفقير والغني، ويدفع بالفئات الهشة أحيانًا إلى الانخراط فيه تحت ضغط الحاجة أو الإكراه.
وعلى مر السنين، لم تتوقف الرشوة عن تغيير جلدها، متخفية تحت تسميات مختلفة، تبدأ بما يُسمى “حلاوة” وتمر عبر “قهيوة”، لتنتهي في أشكال أكثر تنظيماً وتعقيداً، ما يعكس قدرتها على التكيف مع السياقات الاجتماعية والاقتصادية. وقد ساهمت عدة عوامل في تغذية هذه الظاهرة، من بينها ضعف الوعي، والهشاشة الاقتصادية، وتراخي بعض آليات الزجر والمساءلة.
إن الرشوة اليوم لم تعد مجرد سلوك فردي، بل تحولت إلى منظومة قائمة بذاتها، لها رموزها وأدواتها، بل وحتى “خبراؤها” الذين يجيدون التلون والتكيف حسب الظروف، تمامًا كالحرباء، ما يجعل مكافحتها تتطلب مقاربة شمولية تتجاوز الجانب الزجري نحو إصلاحات عميقة تمس التربية والقيم والحكامة.
في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي في مواجهة هذا الوباء هو ترسيخ ثقافة النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارهما المدخل الأساسي لإعادة بناء الثقة وحماية المجتمع من هذا الداء المتجذر.









