مراكز شرطة صينية سرّية تثير قلقاً متصاعداً في فرنسا: بين “الخدمات القنصلية” والمراقبة الأمنية

محمد مومن14 يوليو 2025آخر تحديث :
مراكز شرطة صينية سرّية تثير قلقاً متصاعداً في فرنسا: بين “الخدمات القنصلية” والمراقبة الأمنية

أثار الكشف عن وجود مراكز شرطة صينية سريّة على الأراضي الفرنسية موجة من القلق السياسي والأمني في باريس، وسط اتهامات موجَّهة إلى بكين باستخدام هذه الهياكل لملاحقة المعارضين السياسيين ومراقبة أفراد الجالية الصينية في أوروبا خارج الأطر الدبلوماسية الرسمية.

ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة “لاكروا” الفرنسية، فإن هذه المراكز تعمل تحت غطاء إداري غير رسمي، وتُدار ضمن سياسة منظمة تُعرف بـ**”جبهة العمل الموحد”** التابعة للحزب الشيوعي الصيني، والتي تهدف إلى ضبط وتحكُّم في شتات الصينيين في الخارج، بل وفي بعض الحالات، تُستخدم لإجبار بعض الأفراد على العودة قسرًا إلى الصين.

تسع مراكز سرية.. وقلق أمني متصاعد

وأكدت المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية (DGSI) أنها رصدت منذ عام 2022 تسعة مراكز شرطة سرية داخل فرنسا. وأوضحت، في ردٍّ على استجواب تقدّمت به النائبة الجمهورية كونستانس لوغريب، أن السلطات اتخذت “عدة إجراءات لإغلاق هذه الهياكل أو تعطيل نشاطها”، مشيرة إلى أن السلطات الصينية استجابت لاحقًا بإصدار تعليمات لتجميد أنشطتها.

لكن ورغم هذه التدابير، لا تزال هذه المراكز تمثل مصدر قلق فعلي، سواء لدى السلطات الفرنسية أو لدى منظمات حقوق الإنسان، بسبب طبيعتها الشبكية غير الرسمية، حيث غالبًا ما يديرها أفراد من الجالية الصينية مثل أصحاب متاجر أو رؤساء جمعيات محلية، ويقتصر طاقمها أحيانًا على أربعة أو خمسة أفراد.

“خدمة قنصلية” أم أداة استخباراتية؟

تروج الصين إلى أن الهدف من هذه المراكز هو تقديم الدعم القنصلي والخدمات الإدارية للمواطنين الصينيين في الخارج، خاصة خلال أزمات مثل جائحة كوفيد-19، حين تعرضت السفارات والقنصليات الرسمية لضغوط كبيرة.

غير أن الخبير الإستراتيجي سيمون مينيه، الباحث في مؤسسة البحث الإستراتيجي (FRS)، يرى أن الوظيفة الحقيقية لهذه المراكز تتجاوز العمل الإداري، لتشمل مراقبة المعارضين السياسيين وجمع المعلومات الحساسة عنهم. وتشمل هذه الأنشطة استهداف أنصار الديمقراطية، ودعاة استقلال تايوان، وأبناء أقليات مثل الإيغور والتبتيين، وكذلك أتباع حركة “فالون غونغ” المحظورة في الصين.

انتقادات واتهامات

وتصف منظمات حقوقية هذه المراكز بأنها جزء من مخطط أوسع للرقابة العابرة للحدود تمارسه بكين تحت غطاء “الدبلوماسية المجتمعية”، في خرق واضح لسيادة الدول المضيفة، وللحقوق الأساسية للأفراد.

ويطرح الملف تحديات كبرى أمام السلطات الفرنسية التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة: حماية الحريات وحقوق الإنسان من جهة، والحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم من جهة أخرى.

نحو تشديد المراقبة

في ظل استمرار المخاوف، يرجح مراقبون أن تتجه فرنسا إلى تعزيز آليات الرقابة الأمنية والقانونية، مع إمكانية سن تشريعات جديدة أو مراجعة الإطار القانوني المتعلق بـالأنشطة الأجنبية غير الرسمية على التراب الفرنسي.

وتبقى هذه القضية جزءًا من نزاع دولي أكبر حول النفوذ الصيني المتزايد في الغرب، خاصة في ميادين الإعلام والمجتمع المدني والمجال الرقمي، حيث تسعى بكين إلى الحفاظ على صورة “موحّدة” لجاليتها، حتى خارج حدودها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة