نصوص حرة: الوصايا المغدورة للشاعرة خربوشة

محمد مومن8 أكتوبر 2025آخر تحديث :
نصوص حرة: الوصايا المغدورة للشاعرة خربوشة

 

اخبار المهاجر: ابراهيم اشويبة

 

الدّق بلا قرطاس

 

انتهت المذبحة وتحولت ساحات آسفي إلى مشهد من مشاهد الحروب الكبرى، جثث للفرسان والنساء والأطفال والخيول، وفوقها طيور جارحة كانت في الانتظار. صمت لا تجرحه سوى رياح خريفية متأخرة وبكاء خفي يتلوه نواح بعيد.

صاح البرّاح باسم القائد عيسى بن عمر العبدي، وهو يعْبُرُ الساحة ودروبها، ان أهل الفتنة والسيبة من أولاد زيد قد نالوا العقاب الذي يستحقونه.

دخل القصبة مُنتشيا وغاضبا، رمى سلهامه الأبيض الملطخ بالدم في المدخل، فأسرع تابعه يلتقطه من الأرض. توقف فجأة أمام مدخل القبة ملتفتا لا ينظر إلى أحد وصاح، كأنما استفاق من غفلة ضائعة: حويدّه الغدّارة .. حَضْروها ليا دابا.

لم تتأخر حويدّه بعد الذي جرى، وقد انتشرت كلماتها نارا تدفعها كل الرياح بكل أياديها الخرافية، فخرجت هي وأمها وخالها الأصغر يركبون بغلا، ثنيّ السن، وحمارين عابرين طرقا غير مألوفة في اتجاه أخوالها الآخرين المستقرين بقبيلة أولاد سعيد الشاوية، ضمن نفوذ القائد العياشي، وهناك ستبقى في حمايته أزيد من سنتين قبل أن يكتشفوا مكانها.

استأمنت على حياتها، بعد السنة الأولى في تغريبتها بالشاوية، مع انشغال عيسى بن عمر في حرْكات مخزنية وترتيب قيادته في مجالها الواسع، فتوهّمت نسيانه أمرها وعادت إلى الغناء في تلك الدائرة بقصبة المزامزة والسراغنة والرحامنة وربما المذاكرة، حيث استقرّ بعضٌ من قبيلتها الفارين محتفظين بنفس اسم قبيلتهم. ذاع صيتها مرة أخرى بعيطاتها القوية وصوتها الفريد، كما أن هجاءها للقائد، في نشيدها الرّنان، ظل حاضرا في جلسات خاصة ولكنه كان مسموعا، ومن حين لآخر ترتوي من جراحها حتى لا تنسى أو يتغافل الزمن فيخذلها:

[اللّي ما عزّاني في كْبيدتي نْعرفو يكرهني / تعال تعال، نْڭـول ليك أدآك الغادي / شكون سْبابي حتى خرجت بلادي / راعي الخاوا، كُلشي يفوتْ وتبقى العداوة آقايدي].

أرسل عيسى بن عمر رقاّصا مع ستة من المخازْنيّة الأقوياء إلى القائد العيّاشي يأمره باستعادة خربوشة العبدية، بعدما تأكد أنها مستمرة في النبش، لكن قائد أولاد سعيد استشار قائد المزامزة ثم رفضا طلبه كونها مستحرمة بهما. فخاطبَ عيسى صديقه الحاجب السلطاني بّاحْماد في أمر استرجاع خربوشة وكان مرافقا له في حرْكات الشاوية والرحامنة وتادلة، غير أن بّاحْماد اختار تدبيرا آخر حينما أمر عامل الدار البيضاء، بوبكر بن بوزيد، باستقدامها له، دون أن يعرف أحد هل كان يريد الاستمتاع بما سمعه عن أصالة أغانيها أم كان ينوي تنفيذ حكم المخزن في امرأة تُمجّد الانتفاض والسيبة، أو تقديمها هدية لعيسى بن عمر؟ لكن هذا الأخير كان يحب احتمالات الدسيسة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة