الكولونيل إدريس الحارثي.. أسد الصحراء الذي ارتقى شهيداً في سبيل الوطن

محمد مومن12 أكتوبر 2025آخر تحديث :
الكولونيل إدريس الحارثي.. أسد الصحراء الذي ارتقى شهيداً في سبيل الوطن

شعيب خميس/ أخبار المهاجر

 

تخلّد الذاكرة الوطنية اسم الكولونيل إدريس الحارثي بكل فخر واعتزاز، باعتباره أحد رموز التضحية والفداء في تاريخ القوات المسلحة الملكية، ورمزاً وطنياً خلد اسمه بدمائه الطاهرة في معركة السمارة سنة 1979، دفاعاً عن وحدة التراب الوطني.

 

في مدن الدار البيضاء والخميسات والسمارة والعيون وتارودانت وغيرها من المدن المغربية، تحمل شوارع ومؤسسات تعليمية وساحات عمومية اسم هذا البطل، الذي جسّد بمعانيه العميقة صورة الجندي المغربي المقدام، الوفي لملكه ووطنه، والملتزم بروح القسم حتى آخر رمق.

 

من فتى زموري إلى فارس الميدان

 

وُلد إدريس الحارثي سنة 1934 بناصر بالخميسات، ونشأ في كنف أسرة زمورية عُرفت بالكرامة والشجاعة. تلقى تعليمه الأولي في “المسيد”، ثم تابع دراسته في مدرسة الأطلس بالخميسات، قبل أن ينتقل إلى مدارس محمد الخامس بالرباط، ومنها إلى مؤسسة عسكرية في القاهرة، حيث صقل مهاراته القيادية والعسكرية.

 

كان انخراطه في جيش التحرير المغربي قراراً نابعاً من إيمانه العميق بالحرية والاستقلال، في وقتٍ فضّل فيه البعض الالتحاق بالجيش الفرنسي. وبذلك، كان الحارثي ضمن الرعيل الأول من أبناء قبائل زمور الذين اختاروا طريق النضال، إلى جانب القادة الأوائل مثل محمد بن الميلودي وجناح بنعشير وإدريس بن بوبكر وغيرهم من رموز المقاومة الوطنية.

 

بين جيش التحرير والجيش الملكي

 

بعد الاستقلال، دُعي مقاتلو جيش التحرير للاندماج في صفوف القوات المسلحة الملكية، في اجتماع تاريخي حضره ولي العهد آنذاك، جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، إلى جانب القائد المحجوبي أحرضان. ورغم تجاوب أغلب القادة مع فكرة الإدماج، أصرّ إدريس الحارثي على أن المعركة لم تنته بعد، وأن واجب التحرير لا يكتمل إلا باسترجاع الأقاليم الجنوبية.

 

وبفضل إصرار هؤلاء الأبطال، تم تأسيس مراكز لجيش التحرير في إسني وبوزكارن وكلميم سنة 1956، حيث كان الحارثي أحد الوجوه القيادية البارزة، إلى جانب بنحمو المسفيوي، في مهمة تحرير الصحراء المغربية من الاستعمار ومخلفات الاحتلال.

 

فارس السمارة واستشهاد المجد

 

التحق إدريس الحارثي لاحقاً بالجيش النظامي، وشارك في حرب الرمال وعدة معارك داخلية وخارجية، قبل أن يُعيّن رئيساً لكتيبة عسكرية بمدينة السمارة، في واحدة من أكثر النقاط حساسية على الحدود الجنوبية.

 

وفي يوم 6 أكتوبر 1979، دوّن الحارثي اسمه بأحرف من ذهب في ملحمة السمارة، حين هاجمت جحافل البوليساريو المدينة بحوالي 5000 مرتزق مدعومين بـ800 عربة عسكرية وتسليح ثقيل قدمته الجزائر وليبيا. قاوم الحارثي ورجاله ببسالة نادرة، حتى تدخلت القوات الجوية الملكية لتقلب موازين المعركة، موجهة ضربات دقيقة ومدمرة للعدو.

 

لكن الكولونيل إدريس الحارثي لم يرضَ بنصف نصر، فقاد بنفسه المطاردة الليلية لبقايا العدو، رغم استنزاف القوى. وهناك، في ظلمة الصحراء، سقط شهيداً في ساحة الشرف، بعد أن سطر بدمه ملحمة بطولية خالدة، مقدماً روحه رخيصة في سبيل الوطن ووحدته الترابية.

 

جنازة بطل وذاكرة لا تُمحى

 

نُقل جثمان الشهيد إلى مسقط رأسه بالخميسات، حيث وُري الثرى في موكب مهيب، حضره كبار قادة الجيش المغربي ورفاق دربه، وفي مقدمتهم القائد الغجدامي، الذين بكوه بحرقة واعتزاز.

 

ورغم مرور العقود، ما زالت معركة السمارة تُدرّس في مدارس التكوين العسكري كنموذج للشجاعة والانضباط والتضحية، وما زال اسم الكولونيل إدريس الحارثي يُذكر بإجلال في سجل الخالدين.

 

إنه بطل من طينة نادرة، ضحّى بنفسه ليحيا الوطن، وغرس في الذاكرة المغربية دروساً خالدة في الوفاء والشجاعة وحب الوطن.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة