يُعتبر إقليم قلعة السراغنة، والمنتدب تاريخياً ومجالياً عبر سهل تساوت الفسيح، حاضنة كبرى لواحدة من أثري الحضارات والثقافات بالمغرب. فقد لعبت هذه المنطقة دوراً ريادياً في صياغة الهوية الروحية، والوطنية، والعلمية للمملكة.
فيما يلي تفصيل شامل لأصول منطقة تساوت، وأدوار زواياها، وعلمائها، وكيف ساهمت ثقافتها وتاريخها في الإشعاع الديني والحضاري:
أولاً: أصول منطقة تساوت
الجذور التاريخية والقبلية: يمتد استيطان سهل تساوت عبر عصور موغلة في القدم، وقد تشكل نسيجه البشري والقبلي تاريخياً من تلاحم قبائل عربية وأمازيغية (على رأسها قبائل السراغنة الكبرى، ومجموعات أخرى استوطنت ضفاف النهر). وقد شكّل هذا التزاوج البشري فسيفساء ثقافية فريدة تجمع بين بدوية الصحراء واستقرار الواحات الفلاحية.
شريان الحياة (وادي تساوت): ارتبط أصل استقرار التجمعات البشرية في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بـ وادي تساوت؛ النهر الحيوي الذي ينحدر من جبال الأطلس الكبير ليخترق السهل، موفراً الظروف الملائمة للاستقرار الفلاحي، وبناء القلاع، وتأسيس التجمعات العمرانية الأولى.
ثانياً: الزوايا الدينية وأدوارها الروحية والمجتمعية
مثلت الزوايا المنتشرة على ضفاف وادي تساوت “الحصن الروحي والأمني” للمنطقة عبر التاريخ، حيث لم تقتصر وظيفتها على العبادة فحسب، بل تعدتها إلى الأدوار الاجتماعية والسياسية:
مأوى عابر السبيل وإطعام الطعام: شكلت هذه الزوايا محطات إيواء وإغاثة للقوافل التجارية والمسافرين الرابطين بين مراكش وفاس وتادلة.
فض النزاعات وإصلاح ذات البين: لعب شيوخ الزوايا أدواراً تحكيمية وقبيلة كبرى لفض الخلافات بين القبائل المتناحرة على الكلاء والماء والأرض.
حصون المقاومة والوطنية: كانت الزوايا مراكز متقدمة لتأطير المقاومة ضد أشكال التسلط والاستعمار، وحراسة الهوية الإسلامية والوطنية للمجتمع المغربي.
ثالثاً: علماء تساوت وقلعة السراغنة وإشعاعهم
أنجبت منطقة تساوت وقلعة السراغنة عبر القرون نخبة من الأعلام، والفقهاء، والقضاة، والمحدثين الذين أثروا المكتبة الإسلامية وربطوا الإقليم بحواضر العلم الكبرى (القرويين وابن يوسف):
حراسة المذهب المالكي: تشبع علماء تساوت بالمذهب المالكي، فكانوا حصناً متيناً للتدين الوسطي السمح والوحدة العقدية للمغرب.
أعلام ورموز:
المؤرخ المحقق العلامة أحمد متفكر، الذي حفظ ذاكرة المنطقة وعلمائها عبر مؤلفاته الرائدة.
أعلام الفقه والتصوف من أمثال العلامة رحالي بن رحال الحمومي السرغيني وغيرهم ممن تركوا بصمات واضحة في الحركة العلمية الوطنية والإصلاحية.
قضاة وشيوخ محاظر علمية تقلدوا مناصب إفتاء وقضاء رفيعة، وأسهموا في التأليف والتدريس بالمدارس العتيقة المنتشرة في ربوع السهل.
رابعاً: كيف ساهمت الثقافة في تساوت؟ (الإشعاع الثقافي والحضاري)
تجلت مساهمة الثقافة في تساوت وتأثيرها العميق عبر عدة محاور:
خلق توازن بين البداوة والاستقرار الحضري: حولت الثقافة الشفهية (من عيطة حوزية، وأهازيج، وفنون التبوريدة) قسوة البيئة الطبيعية والترحال إلى ملاحم فنية توثق للشهامة، والشجاعة، وحب الأرض.
الذاكرة المكتوبة والشفوية: ساهمت متون الشعر الشعبي والقصائد التراثية في حفظ تاريخ المقاومة والتحولات الاجتماعية، لتصبح مرآة صادقة لروح الإنسان السرغيني والتساويتي.
التنمية السياحية والمجالية المستدامة: اليوم، تتحول هذه الثقافة المتمثلة في المهرجانات (كالمهرجان الوطني للفنون التراثية وموسم الزيتون والفروسية) إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية، حيث تسهم في التعريف بالإقليم، وإنعاش اقتصاده السياحي والحرفي، وربط الأجيال الصاعدة بجذورهم الحضارية المضيئة.
يُعد إقليم قلعة السراغنة واحداً من أهم الأقاليم المغربية الغنية بتاريخها العريق، ورصيدها الثقافي والديني، وموقعها الجغرافي والاستراتيجي في قلب جهة مراكش-آسفي. يمتد هذا الإقليم بين سهل الحوز الفسيح وضفاف وادي تساوت، ليشكل صلة وصل حية بين حاضرة مراكش وباقي مناطق المملكة.
أولاً: جذور التاريخ والتأسيس
تتعدد الروايات التاريخية حول أصل وتأسيس مدينة قلعة السراغنة، إلا أنها تتفق على عمقها الاستراتيجي عبر العصور:
الفترة المرابطية: يرجح بعض المؤرخين (مثل الأستاذ شوقي الحسن) أن النواة الأولى للقلعة تعود إلى العهد المرابطي، حيث أُسست كحامية عسكرية لأغراض أمنية واستراتيجية لحماية الطرق الرابطة بين المراكز الحضرية الكبرى.
العهد العلوي (عصر المولى إسماعيل): يربط مؤرخون آخرون التأسيس الفعلي وبناء الأسوار التاريخية بالسلطان العلوي المولى إسماعيل (أواخر القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر)، ضمن سياسته الكبرى لبناء القلاع والتحصينات العسكرية لفرض الأمن وربط أجزاء الدولة ببعضها.
أصل التسمية: يُعزى اسم “السراغنة” إما إلى قبائل المنطقة التاريخية أو إلى جذور أظلتها شجرة “تسرغينت” المنتشرة في المجال، أو نسبة إلى لفيف من الشرفاء والمرابطين الذين قطنوا المنطقة.
ثانياً: الإشعاع العلمي والديني (العلماء والمدارس العتيقة)
شكلت منطقة قلعة السراغنة عبر التاريخ معقلاً أصيلاً للفقه المالكي ومنارة علمية تضاهي الحواضر الكبرى، حيث كانت حلقة وصل بين علماء مراكش وفاس:
المدارس العتيقة والزوايا: تزخر المنطقة بعشرات المدارس القرآنية والزوايا التي لعبت دوراً محورياً في تحفيظ القرآن الكريم، تدريس المتون الفقهية والنحوية، ونشر علوم الشريعة والتربية الروحية (مثل زوايا تساوت وغيرها).
رجالات العلم: أنجبت القلعة أجيالاً متعاقبة من الفقهاء، والقضاة، والمحدثين، والمقرئين الذين تقلدوا مناصب علمية رفيعة في القرويين ومراكش، وكان لهم إسهام بارز في حركة التأليف الفقهي والنقاش الإصلاحي والوطني، فضلاً عن دورهم في حفظ الهوية الدينية والوطنية للمجتمع المغربي خلال مختلف المحطات التاريخية.
ثالثاً: المنجزات التنموية والاقتصادية
عرف إقليم قلعة السراغنة قفزات نوعية ومكتسبات تنموية هامة منذ تأسيسه كإقليم مستقل سنة 1973، وتبرز هذه المنجزات في قطاعات حيوية عدة:
القطاع الفلاحي وعاصمة الزيتون:
يُصنف الإقليم اليوم في صدارة الأقاليم المنتجة للشجرة المباركة (الزيتون) على الصعيد الوطني، حيث تنتشر على أراضيه الشاسعة بساتين وموحدات عصرية لتثمين إنتاج زيت الزيتون.
الدور الحيوي لـ وادي تساوت وسد المسيرة (الذي يُعد من أكبر السدود بالمملكة)، مما ساهم في سقي آلاف الهكتارات الفلاحية وتحويل المنطقة إلى سلة غدائية مهمة للحبوب المزروعات البورية والمسقية.
البنيات التحتية وفك العزلة:
شهد الإقليم إنجاز شبكات مهمة من الطرق والمطارات المحلية والمسالك الرابطة بين الجماعات القروية والمراكز الحضرية، مما سهّل حركة التنقل والتبادل التجاري.
تعزيز البنى التحتية الأساسية من مؤسسات تعليمية، ومستشفيات، ومراكز استشفائية وقرب إداري لتقريب الخدمات من المواطنين.
التنمية الحضرية والاجتماعية:
توسع المجال الحضري لمدينة قلعة السراغنة عبر تهيئة الساحات العمومية (مثل ساحة الحسن الثاني)، الفضاءات الخضراء، والمجمعات الحرفية التي تحتضن الصناعات التقليدية الأصيلة كالطريز والتطريز المحلي والصناعات الجلدية.
يظل إقليم قلعة السراغنة بفضل عبق تاريخه، وعطاء رجالاته العلمية، ودينامية منجزاته المعاصرة، رافداً أساسياً من روافد الذاكرة والتنمية بالمغرب.
يشكل إقليم قلعة السراغنة قطباً ثقافياً وفنياً واعداً، حيث تحتضن مدنه وقراه طوال السنة محطات ومهرجانات كبرى تسلط الضوء على الموروث الشعبي، والهوية المحلية، والعمق التنموي والفلاحي للمنطقة. وتتنوع هذه التظاهرات لتشمل الفنون التراثية، والموسيقا، وفن الفروسية، والاحتفاء بالمنتوجات المجالية.
1. المهرجان الوطني للفنون التراثية
يُعد هذا المهرجان واحداً من أبرز المواعيد الثقافية الكبرى بالمنطقة (والذي ينتظم في دورات متتالية تحت شعار يكرس عمق الهوية مثل: “الفنون التراثية.. هوية راسخة”). يهدف الملتقى إلى:
إبراز الإبداعات الشعبية الأصيلة والتبادل الثقافي بين مختلف حركات الفن الشعبي المغربي.
تسليط الضوء على الفنون المحلية التي تمتاز بها قبائل تساوت والحوز (كالرقصات الجماعية، والأهازيج المحلية، وفنون العيطة المرساوية والشرقاوية بحكم التداخل الجغرافي والثقافي).
خلق فضاءات فرجوية كبرى تنعش الحيوية الاقتصادية والسياحية للمدينة.
2. مهرجان السراغنة (التظاهرات الفنية والشبابية)
تشهد حاضرة الإقليم تنظيم تظاهرات كبرى مثل “مهرجان السراغنة” (الذي ينظم تحت إشراف عمالة الإقليم وبدعم من فعاليات مدنية وفنية)، ويتزامن غالباً مع محطات وطنية واحتفالات كبرى (مثل الاحتفالات المخلدة لذكرى ميلاد ولي العهد الأمير مولاي الحسن). يمتد هذا الأسبوع الثقافي والفني ليعرض:
سهرات موسيقية وفنية تجمع بين الفنون الشبابية والموروث التقليدي.
معارض للمنتوجات التقليدية والصناعة الحرفية.
أنشطة رياضية وتربوية واجتماعية تستهدف إبراز الطاقات الشبابية وتنشيط الفضاء العمومي للإقليم.
3. مواسم التبوريدة وفن الفروسية (موسم العطاوية نموذجاً)
لا يمكن الحديث عن ثقافة قلعة السراغنة دون إغفال فنون التبوريدة وركوب الخيل، التي تمثل عمقاً تاريخياً ورمزياً للشهامة والفروسية في وجدان الساكنة.
تنظم جماعات ومدن الإقليم (مثل مدينة العطاوية ومختلف القرى المجاورة) مواسم سنوية كبرى للفروسية.
تجتذب هذه المواسم عشرات “السربات” (فرق الفرسان) ومئات الآلاف من عشاق التراث الأصيل، حيث تمتزج طلقات البارود بإيقاعات التراث الويزاوي والرقصات الشعبية البدوية في لوحات فولكلورية فريدة.
4. المعارض الفلاحية والموسمية (الاحتفاء بشجرة الزيتون)
إلى جانب الطابع الفني الصرف، تكتسي المعارض والمهرجانات ذات الطابع الاقتصادي والفلاحي أبعاداً ثقافية واضحة في الإقليم؛ نظراً لارتباط الإنسان السرغيني الوثيق بالأرض:
المعرض الوطني للزيتون والتظاهرات المرتبطة بالقطاع الفلاحي في تملالت والعطاوية.
تتحول هذه التظاهرات إلى فضاءات للتبادل الثقافي، وتنظيم ندوات علمية، وعروض للموروث المادي واللامادي المرتبط بطقوس الفلاحة، جني الزيتون، والصناعات التحويلية التقليدية والحديثة.
هذه المهرجانات والتظاهرات لا تمثل مجرد لحظات للترفيه فحسب، بل هي آلية حية لحفظ الذاكرة الجماعية، وصون التراث اللامادي للإقليم، وربط الأجيال الجديدة بجذورهم التاريخية والحضارية المتجذرة في سهل تساوت.
تُعتبر الدورة الخامسة للمهرجان الوطني للفنون التراثية بقلعة السراغنة محطة مفصلية في المسار الثقافي للإقليم، حيث تُنظمها وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة).
أبرز معالم وتفاصيل الدورة الخامسة
الإطار والغاية: تأتي هذه الدورة لترسيخ التراث اللامادي والمحلي باعتباره عنصر حيّ في بناء الحاضر وصون الذاكرة الوطنية، وتثمين الموروث الفني والموسيقي الشفاهي الذي يزخر به سهل تساوت وإقليم قلعة السراغنة بصفة عامة.
البرنامج والأنشطة:
السهرات الفنية الكبرى: احتضان عروض وأهازيج شعبية بمشاركة فرق تراثية محلية ووطنية، تشمل فنون العيطة، الرقصات الجماعية البدوية، والموسيقى الشعبية.
الفضاءات الاحتضانية: تُقام معظم الفعاليات والعروض في الساحات العمومية والمؤسسات الثقافية بقلعة السراغنة (مثل دار الثقافة وساحة جنان روما) لتقريب الجمهور من المادة الثقافية والتراثية.
الندوات العلمية والأكاديمية: تنظيم ندوات وموائد مستديرة يشارك فيها أساتذة وباحثون في التراث، لتدارس سبل حماية الفنون الشفاهية والتراث المادي واللامادي للإقليم وتثمينه في التنمية المحلية المستدامة.
الأبعاد الاقتصادي والاجتماعي: تُسهم هذه الدورة في تنشيط الركود الاقتصادي والسياحي بالمدينة عبر تحفيز الحركة التجارية، إلى جانب إتاحة الفضاء للصناع التقليديين والجمعيات لعرض منتوجات الصنائع التقليدية والمنتوجات المجالية التي يشتهر بها الإقليم (وعلى رأسها منتوجات الزيتون وزيوته).
تأسيساً على ما سبق، يزخر إقليم قلعة السراغنة بتاريخ عريق أنجب العديد من الأعلام والعلماء والقضاة، كما يشهد حراكاً ثقافياً وأدبياً مهماً تجسد بوضوح في فعاليات الدورة الخامسة للمهرجان الوطني للفنون التراثية.
فيما يلي تفصيلٌ لأبرز علماء وقضاة الإقليم، إلى جانب تسليط الضوء على مؤلفات الكاتب والروائي (رجل القانون والأدب) نور الدين الرياحي وحضوره البارز في هذه الدورة:
أولاً: لمحة عن علماء وقضاة إقليم قلعة السراغنة
لعب علماء وقضاة سهل تساوت والحوز دوراً تاريخياً بارزاً في حراسة الشريعة، ونشر علوم الفقه المالكي، وتأطير المجتمع:
العلامة أحمد متفكر: يعد من أبرز المؤرخين والمحققين المعاصرين الذين وثقوا للحركة العلمية بالمنطقة، وأبرزوا إسهامات علماء قلعة السراغنة وقضاتها في كتابه الشهير “علماء قلعة السراغنة وإشعاعهم الفكري”.
العلامة رحالي بن رحال الحمومي السرغيني: أحد أبرز الأعلام والعلماء البارزين في القرن العشرين بالمنطقة، والذي ترك بصمة واضحة في العلم والإصلاح الديني والوطني.
ثلة من القضاة والفقهاء: الذين تعاقبوا على تسيير المجالس العلمية والمحاكم الشرعية والعرفية بالمنطقة، وشكلوا حلقة وصل أساسية بين حواضر العلم الكبرى (كمراكش وفاس) والقبائل السرغينية.
ثانياً: مؤلفات الكاتب والروائي نور الدين الرياحي وحضوره في الدورة الخامسة
يُعد الكاتب والروائي نور الدين الرياحي (الذي يجمع بين ممارسته لمهنة القانون/المحاماة وعوالم الأدب والكتابة) من الأسماء البارزة التي تحظى باهتمام ثقافي خاص؛ حيث شهدت الفعاليات الثقافية والموازية (ومنها محطات الدورة الخامسة للمهرجان) لقاءات تفاعلية وتقديمات لمؤلفاته الوازنة.
أبرز مؤلفاته وأعماله الأدبية:
رواية «الصخرة»:
مضمونها: تُعد من أبرز إبداعاته الروائية (التي تم الاحتفاء بتوقيعها في محطات ثقافية كبرى كطنجة والرباط). تغوص الرواية في عوالم إنسانية عميقة، وتستكشف تداخلات مشاعر الحب والصراع في مواجهة قسوة الحروب والأوبئة، عاكسةً نفساً سردياً متميزاً يربط بين حس المبدع وفكر رجل القانون. كماتضمنت رواية الصخرة أحداث و أحاديث عن هذا الإقليم و عن ترابه مما تشكل معه هذه الرواية في بعدها التاريخيّ و الجغرافي عراقة المغرب و أصالته و انفتاحه على ثقافات إنسانية و الحديث عن منجزاته كما تقدمها اليوم محركات البحث الإلكتروني و كيف تم استحضارها في الرواية و المبرزة للتعايش بين الأديان و الأمم .
رواية «المرافعة»:
مضمونها: عمل أدبي يستثمر ببراعة عوالم العدالة ومحراب القضاء، ليمزج بين تقنيات السرد الروائي وخبايا وقضايا الإنسانية والمجتمع.
كتاب «نزهة الأحد»:
مضمونه: إصدار فكري وأدبي يضاف إلى رصيده الثقافي، ويقدم قراءات وتأملات تعكس تنوع اهتماماته الفكرية والأدبية.
وقد شكل إدراج تجربة الكاتب نور الدين الرياحي ضمن الأنشطة الثقافية والأدبية للمهرجان الوطني للفنون التراثية (في دورته الخامسة) فرصة للجمهور والباحثين لتدارس تجربة الانتقال الخلاق من محراب القضاء وقوانينه إلى رحاب الأدب وسحر الرواية، وكيف يمكن للأدب أن يعانق الذاكرة والتراث المحلي للإقليم.
تتميز الدورة الخامسة للمهرجان الوطني للفنون التراثية بقلعة السراغنة ببرنامج غني ومتنوع يجمع بين الجانب السمعي البصري الفني والجانب الفكري الفلسفي والتوثيقي للتراث.
أولاً: العروض والفرق الفنية المشاركة
تجمع هذه الدورة بين التراث المحلي لأرض تساوت وتنوع المقامات الوطنية المغربية:
الموروث المحلي (فن العيطة والأهازيج):
حضور وازن لشيوخ العيطة الحوزية والمكناسية والمرساوية، والتي تمثل وجدان المنطقة وتاريخها الشفاهي.
مشاركة فرق العبيدات والرما وفرق أحواش والهِيت المحلية، التي تقدم لوحات كوريغرافية تحاكي حياة الرواد وحكايات الأرض والشهامة.
الانفتاح على التنوع الوطني:
استضافة فرق تراثية من مختلف جهات المملكة (مثل فنون الكناوة، الدقة المراكشية، والموسيقى الأندلسية/الغرناطية)، بهدف خلق حوار ثقافي وتبادل للخبرات بين الفنانين والشيوخ الرواة.
منصات العروض:
تُخصص منصات رئيسية في قلب المدينة (مثل ساحة جنان روما والساحات المجاورة لدار الثقافة) لضمان مجانية العروض وتقريب الفن التراثي من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
ثانياً: المحاور العلمية والندوات الأكاديمية
إلى جانب الاحتفالية الفنية، تُخصص الدورة ندوات وموائد مستديرة يسهم فيها أساتذة ومختصون في التراث والعلوم الإنسانية، وتتركز المحاور حول:
توثيق التراث الشفاهي لسهل تساوت:
دراسة أصول المتون الفنية والقصائد الشعبية الصادرة عن المنطقة، وسبل تدوينها لحمايتها من الاندثار.
التراث اللامادي والتنمية المستدامة:
البحث في كيفية استثمار التراث الفني والمحلي في تسويق المجال الإقليمي، ودعم السياحة الثقافية، وتنشيط الدورة الاقتصادية للفاعلين المحليين.
حماية حقوق الفنان و«الشيوخ» الرواة:
مناقشة آليات الاعتراف الرمزي والمادي بجهود الشيوخ والكنوز البشرية الحية التي حملت هذا التراث عبر العقود، وضمان انتقال هذا المشعل للأجيال الصاعدة.
ثالثاً: الأنشطة الموازية والتكريمات
لحظات الوفاء والتكريم: تخصيص فقرات لتكريم أثرياء الفن التراثي بالمنطقة من قيدومي الشيوخ والعازفين الذين حافظوا على أصالة النغمة السرغينية.
المعارض الموازية: تنظيم معارض للآلات الموسيقية التقليدية، إلى جانب أروقة للكتب والإصدارات التراثية، ومعارض المهن والحرف اليدوية المرتبطة بالذاكرة المحلية.
تزخر منطقة قلعة السراغنة بإنتاج فكري وأدبي متهمم بالذاكرة والتاريخ والتراث الشفاهي لسهل تساوت والحوز. ويمكن تقسيم الأبحاث والمؤلفات التي تعكس تاريخ الإقليم وأدبه إلى ثلاثة مجالات رئيسية:
أولاً: المؤلفات التاريخية والأكاديمية حول الإقليم
«قلعة السراغنة: المجال والمجتمع والمغرس» (تأطير وتوثيق تاريخي):
المضمون: كتابات وأبحاث مخصصة لتاريخ تأسيس قلعة السراغنة، تحلل الأدوار العسكرية والدينية والاستراتيجية للإقليم خلال عهود المرابطين والسلاطين السعديين والعلويين (خاصة فترة المولى إسماعيل).
المحاور: تتطرق الأبحاث إلى النظم الفلاحية القديمة، والسدود التاريخية على وادي تساوت، ودور قبائل السراغنة في تاريخ المغرب الحديث.
«أعلام وقضاة وتصوف في سهل تساوت» (التراجم والصلحاء):
المضمون: دراسات وثائقية تُعنى بالترجمة لأعلام الإقليم من رجال الدين والقضاء والتصوف، مثل صلحاء زاوية تساوت وعلماء المذهب المالكي الذين أثروْا المكتبات الإسلامية والتعليم العتيق.
ثانياً: الدراسات والكتب التوثيقية للفنون والتراث اللامادي
تزامناً مع احتضانات المهرجانات الثقافية (كالمهرجان الوطني للفنون التراثية)، صدرت عدة أوراق ودراسات توثيقية حول التراث الشفاهي بالمنطقة:
«متون العيطة الحوزية والسرغينية»:
المضمون: تجميع وتوثيق للقصائد الشفاهية والأشعار الشعبية التي تناقلها الشيوخ والرواة، وتفكيك مضامينها الاجتماعية والسياسية التاريخية (مثل قصائد الهجو، والمديح، والتغني بالأرض والشهامة).
«فن التبوريدة وسحر الخيل في الحوز وتساوت»:
المضمون: كتابات إثنوغرافية تسلط الضوء على طقوس الفروسية التقليدية، وأسرار “السربة”، والرموز الثقافية المصاحبة لمواسم التبوريدة بالإقليم.
ثالثاً: الإبداع الروائي والقصصي (السرود والذاكرة المحلية)
استلهم العديد من الأدباء والروائيين المغاربة مجال قلعة السراغنة، وقراها، وهامشها الفلاحي، كمسرح لأعمالهم الروائية والقصصية:
الروايات الاجتماعية واستحضار «القرية السرغينية»:
تتناول هذه الأعمال التحولات الاجتماعية والديموغرافية للإقليم، ورحلة الانتقال من الفلاحة المعيشية القديمة إلى التحولات الحديثة، مع التركيز على علاقة الإنسان السرغيني بأرضه وبسد المسيرة ووادي تساوت.
السير الذاتية وأدب الذاكرة:
كتب وسير ذاتية لكتّاب وأكاديميين ينتمون للإقليم يستحضرون فيها سنوات الدراسة بالكتاتيب والمدارس العتيقة، وتفاصيل الحياة اليومية في الأسواق الأسبوعية التاريخية بالمنطقة.
تأسيساً على ما سبق، يزخر إقليم قلعة السراغنة بتاريخ عريق أنجب العديد من الأعلام والعلماء والقضاة، كما يشهد حراكاً ثقافياً وأدبياً مهماً تجسد بوضوح في فعاليات الدورة الخامسة للمهرجان الوطني للفنون التراثية.









