حكومة تقودها امرأة… هل تكون المناصفة عنوان المرحلة أم اختبارها الحقيقي؟

محمد مومنمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
حكومة تقودها امرأة… هل تكون المناصفة عنوان المرحلة أم اختبارها الحقيقي؟

 

قراءة تساؤلية في انتظارات المغاربة من الحكومة المقبلة ومكانة المرأة في مراكز القرار

بقلم: حكيمة خالص

لم يعد السؤال اليوم مقتصرًا على من سيقود الحكومة المغربية المقبلة، ولا على طبيعة التحالفات السياسية التي أفرزتها المرحلة الجديدة، بل امتد إلى سؤال أعمق يتصل بمستقبل المشاركة النسائية في تدبير الشأن العام، وحدود التحول الذي يمكن أن تحمله سابقة تولي امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب.

 

فبعد تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة وتكليفها بتشكيل فريقها الحكومي، يجد النقاش العمومي نفسه أمام لحظة تستحق التأمل، لا بسبب رمزية الحدث وحدها، بل بسبب ما يفتحه من انتظارات وأسئلة حول توزيع المسؤوليات، ومعايير الاستحقاق، وموقع المرأة في دوائر القرار السياسي والاقتصادي.

 

إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يشكل سابقة تاريخية، لكن القيمة الحقيقية لهذه السابقة لن تُقاس بالصفة وحدها، وإنما بما ستترجمه من اختيارات وممارسات وسياسات. فهل نحن أمام تحول في تمثيلية النساء داخل السلطة التنفيذية، أم أن التغيير سيظل محصورًا في رأس الهرم، بينما تستمر البنية التقليدية لتوزيع المسؤوليات؟

 

ومع الإعلان عن تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة، تتجه الأنظار إلى الخطوة التالية، المتمثلة في الكشف عن التشكيلة الوزارية وتوزيع الحقائب، باعتبارهما مؤشرين أساسيين لفهم موقع المناصفة في الاختيارات الحكومية المقبلة.

 

من رمزية القيادة النسائية إلى مسؤولية القرار

 

إن تولي امرأة رئاسة الحكومة يفتح الباب أمام نقاش مشروع بشأن قدرة المؤسسات السياسية على توسيع مشاركة النساء في مراكز القرار. غير أن هذا النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى احتفاء رمزي منفصل عن مضمون السياسات العمومية ونتائجها.

 

فالمرأة التي تصل إلى موقع قيادي لا تمثل النساء بالضرورة في جميع اختياراتها، كما أن مجرد وجودها في قمة السلطة لا يضمن تلقائيًا تحقيق الإنصاف بين الجنسين. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في طبيعة القرارات التي ستُتخذ، ومدى انفتاح المؤسسات على الكفاءات النسائية، وقدرتها على تحويل مبدأ تكافؤ الفرص إلى ممارسة فعلية.

 

ومن هنا يبرز السؤال: هل ستشكل التجربة الجديدة مدخلًا لإعادة النظر في حضور النساء داخل الحكومة، أم ستظل مجرد استثناء في مشهد سياسي لا تزال فيه المناصفة موضوعًا للنقاش والانتظار؟

 

المناصفة العددية أم المناصفة في السلطة؟

 

من أبرز الأسئلة التي تطرحها المرحلة المقبلة حجم التمثيلية النسائية في التشكيلة الحكومية، وطبيعة المسؤوليات التي ستُسند إلى النساء.

 

هل ستتجه الحكومة إلى تمثيلية نسائية تقترب من المناصفة؟ وهل ستشمل هذه المشاركة قطاعات استراتيجية ووازنة، أم ستظل محدودة في عدد من المجالات دون غيرها؟

 

إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في دلالتها السياسية والمؤسساتية. فالمناصفة لا تعني مجرد رفع عدد النساء في المناصب، وإنما تقتضي أيضًا إتاحة فرص حقيقية للمساهمة في صياغة السياسات العمومية، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرارات التي تؤثر في مستقبل البلاد.

 

كما أن إسناد المسؤوليات ينبغي أن يستند إلى الكفاءة والخبرة والاستحقاق، مع ضمان تكافؤ الفرص بين النساء والرجال. فالمطلوب ليس الاختيار بين المناصفة والكفاءة، وكأنهما مطلبان متعارضان، بل بناء ممارسة سياسية تجعل الإنصاف والكفاءة عنصرين متكاملين في تدبير الشأن العام.

 

هل تنتصر الكفاءة النسائية على الحسابات الحزبية؟

 

لا يمكن فصل تشكيل الحكومة عن طبيعة التحالفات السياسية والتوازنات التي تحكمها. فالأحزاب المشاركة في الأغلبية تسعى، بحكم موقعها السياسي، إلى ضمان تمثيليتها والمساهمة في تحديد أولويات المرحلة.

 

لكن السؤال الذي يهم الرأي العام هو: كيف ستتم الموازنة بين هذه الاعتبارات وبين ضرورة اختيار كفاءات قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية؟

 

وهل ستُمنح النساء فرصًا حقيقية لتحمل مسؤوليات حكومية بناءً على خبراتهن ومؤهلاتهن، أم ستظل التمثيلية النسائية خاضعة في بعض الحالات لمنطق استكمال الأعداد؟

 

إن الرهان لا يتعلق بإثبات أن المرأة قادرة على تحمل المسؤولية، فقد راكمت النساء المغربيات تجارب متنوعة في الإدارة والسياسة والاقتصاد والمجتمع المدني، وإنما يتعلق بضمان أن تكون أبواب المسؤولية مفتوحة أمام الكفاءات دون تمييز، وأن تُقيّم التجارب على أساس النتائج والمحاسبة.

 

وماذا عن النساء خارج مراكز القرار؟

 

لعل السؤال الأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمغاربة هو ما إذا كانت أي زيادة في تمثيلية النساء داخل الحكومة ستنعكس على أوضاع النساء في المجتمع، وخاصة في العالم القروي، والتعاونيات، والمقاولات الصغيرة، والأنشطة المدرة للدخل.

 

فالنساء اللواتي يعملن في التعاونيات الفلاحية والصناعات التقليدية وتثمين المنتجات المجالية لا يحتجن إلى خطابات الاعتراف بدورهن فحسب، بل إلى سياسات عمومية تستجيب لتحديات التمويل والتسويق والتكوين والتوزيع والولوج إلى الأسواق.

 

ومن هذا المنطلق، تبرز أسئلة عملية أمام الحكومة المقبلة:

 

هل سيحظى الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بمكانة استراتيجية ضمن أولويات المرحلة؟

 

هل ستتم مراجعة آليات الدعم والتمويل بما يضمن فرصًا أكثر إنصافًا للتعاونيات النسائية، خصوصًا في المناطق القروية؟

 

هل ستُشرك النساء المنتجات في إعداد البرامج والسياسات التي تمس أنشطتهن الاقتصادية؟

 

وهل ستقاس فعالية هذه السياسات بما تحققه من استقلال اقتصادي وخلق لفرص الشغل وتحسين للدخل، بدل الاكتفاء بعدد البرامج والمبادرات المعلنة؟

 

إن الإنصاف الحقيقي لا يتوقف عند تمثيل المرأة في الحكومة، بل يمتد إلى قدرتها على الإنتاج والمشاركة في الاقتصاد والاستفادة من ثمار التنمية. كما أن دعم النساء لا ينبغي أن يُختزل في برامج اجتماعية محدودة، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثمارًا في التنمية المحلية والعدالة المجالية وتقوية النسيج الاقتصادي الوطني.

 

ما الذي سيجعل هذه التجربة مختلفة فعلًا؟

 

إن التاريخ لا يصنعه تغيير الأسماء وحده، بل تصنعه أيضًا القرارات التي تترك أثرًا في المؤسسات والمجتمع.

 

ومن ثم، فإن التجربة الحكومية الجديدة ستكون موضوع متابعة وتقييم من قبل الرأي العام، ليس فقط من زاوية عدد النساء اللواتي سيتولين حقائب وزارية، بل أيضًا من زاوية طبيعة المسؤوليات الممنوحة لهن، والنتائج التي سيحققنها، ومدى انعكاس السياسات الحكومية على واقع النساء المغربيات بمختلف فئاتهن ومواقعهن الاجتماعية والاقتصادية.

 

ولا يعني ذلك تحميل رئيسة الحكومة وحدها مسؤولية تحقيق المناصفة، لأن تشكيل الحكومة يرتبط أيضًا بالأحزاب المشاركة في الأغلبية وبالاختيارات المؤسساتية والسياسية التي تحكم توزيع المسؤوليات. لكنه يضع الجميع أمام مسؤولية واضحة: جعل تكافؤ الفرص جزءًا من الممارسة السياسية، لا مجرد شعار يرافق المناسبات.

 

أسئلة المرحلة… وانتظارات المجتمع

 

إن تعيين امرأة على رأس الحكومة يفتح صفحة جديدة في تاريخ المشاركة النسائية بالمغرب، لكنه لا يقدم في حد ذاته إجابات جاهزة عن أسئلة المناصفة والإنصاف والتمكين الاقتصادي.

 

فالإجابة ستتضح من خلال التشكيلة الحكومية، وطبيعة الحقائب التي ستُسند إلى النساء والرجال، والأولويات التي سيحددها البرنامج الحكومي، ثم من خلال ما ستكشف عنه الممارسة من نتائج قابلة للتقييم.

 

وفي انتظار الإعلان عن أعضاء الحكومة، يبقى من حق المجتمع أن يطرح أسئلته، وأن يتابع الاختيارات المقبلة بروح نقدية مسؤولة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الاحتفاء الذي لا يستند إلى نتائج.

 

فحين تتولى امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب، هل نكون أمام تغيير في هوية من يقود الحكومة فقط، أم أمام فرصة لإعادة النظر في موقع المرأة داخل منظومة القرار، وفي نصيبها من المسؤولية والسلطة والإنصاف الاقتصادي والاجتماعي؟

 

ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه القرارات، لا الرمزية وحدها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة