يشكل الابتزاز الالكتروني اليوم واحدا من اخطر الاساليب التي تهدد السلم الاجتماعي وتضرب الثقة في المؤسسات، خاصة عندما يتطور من ممارسات فردية معزولة الى شبكة منظمة تمتلك ادواتها الخاصة وتمتد خيوطها لتشمل اطرافا سياسية وادارية. وفي هذا السياق، انجزت مجموعة الصدى السياسي الاعلامية تحقيقا استقصائيا موسعا حول الشبكة الاجرامية المعروفة باسم الفرشة الخائن التي ظهرت بمدينة سيدي بنور خلال الاشهر الاخيرة، وتمكنت في فترة زمنية وجيزة من تشييد منظومة رقمية معقدة تعتمد على جمع المعطيات بطرق غير قانونية وتوظيفها في حملات تشهير وابتزاز تستهدف منتخبين وفاعلين واطر عمومية.
ويكشف التحقيق ان الشبكة تشتغل وفق هندسة منظمة بعيدة كل البعد عن العشوائية، حيث يعتمد افرادها على عناصر ميدانية تتولى جمع معلومات حساسة عن ضحايا يتم انتقاؤهم بعناية، اعتمادا على وسطاء محليين او باستغلال علاقات داخل بعض الادارات. وبعد ذلك يتم تحويل هذه المعطيات الى الفريق الرقمي الذي يتولى انتاج مواد تشهيرية ونشرها عبر صفحات وهمية لخلق تاثير واسع النطاق. كما يوجد مستوى اخر يعمل على التواصل المباشر مع الضحايا واستغلال الضغط النفسي والرقمي لتحقيق مكاسب مالية او اهداف سياسية لصالح جهات مستفيدة.
وتشير المعطيات التي جرى تجميعها الى ان الشبكة لم تكن لتبلغ هذه القوة لولا وجود حماية غير مباشرة من اطراف محلية مرتبطة بالمشهد السياسي والاداري، وهو ما منحها هامشا مريحا للتحرك دون خوف من الملاحقة. وتبرز ملامح هذا الغطاء من خلال العلاقة المشبوهة التي تجمع بين بعض السماسرة المحليين وعناصر سياسية فقدت نفوذها وفاعلين رقميين يشكلون المحرك الرئيسي لحملات التشهير.
وقد شكل الدور الذي قامت به السيدة اقبال بوفوس نقطة تحول اساسية في كشف خيوط الشبكة، بعدما تمكنت من الوصول الى معطيات داخلية حساسة، من بينها تسجيل صوتي يجمعها بالمدعو ر.ب المقرب من محيط البرلماني المعزول والنائب الثاني لرئيسة جماعة سيدي بنور م.ا. ويكشف التسجيل وجود تسريب منتظم لمعلومات عقارية وشخصية يتم تزويد الشبكة بها بشكل مباشر لاستعمالها في التشهير والابتزاز. وتؤكد هذه الوقائع اننا امام جريمة رقمية منظمة قائمة على تشابك مصالح بين سماسرة العقار وعناصر سياسية وفاعلين في الفضاء الرقمي.
كما توصل التحقيق الى معطيات دقيقة حول تحركات مالية مشبوهة مرتبطة بالشبكة، من بينها ضبط تحويل مالي بقيمة سبعة الاف درهم باسم ب.ف بحوزة الموقوف رضوان بن علال، الذي يعد احد العناصر الاساسية داخل المنظومة. وتم كذلك رصد تحركات غير قانونية للسيدة نفسها، اذ تبين من خلال وثائق ووقائع انها متورطة بشكل مباشر في عمليات الابتزاز والتشهير، اضافة الى قيامها بشراء عقار باسمها وفق عقد وعد بالبيع يشكل بدوره حلقة من حلقات اشتغال الشبكة.
وتطرح هذه المعطيات اسئلة عميقة حول حجم الاختراق الذي مكن الشبكة من الوصول الى معلومات سرية، وعن الجهات التي وفرت لها الحماية او تغاضت عن نشاطها. فالترابط الواضح بين المصالح السياسية والابتزاز المالي والتشهير الرقمي يكشف عن مشروع متكامل يستهدف ضرب سمعة الشرفاء وتوجيه الرأي العام المحلي عبر الفضاء الرقمي لخدمة اجندات خاصة.
لقد اصبحت شبكة الفرشة الخائن اليوم خطرا حقيقيا على الامن الرقمي والسلم المجتمعي، ولم تعد مجرد مجموعة افتراضية خارجة عن السيطرة. فحجم المعطيات التي تتداولها وطبيعة عملياتها ودرجة الاحترافية التي تعتمدها كلها تدل على اننا امام تنظيم رقمي محمي يمتد اثره داخل محيط القرار المحلي. وهذا الوضع يستدعي تدخلا قضائيا وامنيا صارما وفتح تحقيق رسمي شامل لتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل المتورطين، سواء كانوا فاعلين مباشرين او شركاء او مستفيدين.
ان الوقائع التي كشفها التحقيق ليست سوى خطوة اولى في مسار تفكيك هذه الشبكة. فالمطلوب اليوم هو تجفيف منابع الدعم، وتفكيك شبكة الوسطاء المحليين، ورد الاعتبار لضحايا الابتزاز الرقمي الذين تكبدوا اضرارا جسيمة مست سمعتهم وحياتهم الاسرية والاجتماعية. لقد اصبحت حماية الفضاء الرقمي معركة وطنية تستهدف صون كرامة المواطنين وتعزيز الثقة في دولة الحق والقانون وحماية المجتمع من شبكات تتغذى على التشهير والابتزاز وتستبيح الحياة الخاصة لتحقيق مكاسب تضر بالنسيج الاجتماعي وتضرب مؤسسات الدولة في العمق.









