الشريف محمد مومن
في فجرٍ صيني بارد، تنشغل فرق الإطلاق في مركز جيوتشيوان الفضائي بالتحضيرات الأخيرة لصعود صاروخ من طراز لونغ مارش، يحمل على متنه روّاد فضاء صينيين في رحلة جديدة نحو محطة فضائية تدور حول الأرض. لحظة الإقلاع لا تمثل مجرد حدث تقني، بل تجسد طموحاً وطنياً كبيراً تسعى من خلاله الصين إلى ترسيخ سيادتها العلمية والتكنولوجية، وتأكيد حضورها بين القوى الكبرى في مجال استكشاف الفضاء.
فمنذ أول رحلة فضائية مأهولة في بداية القرن الحادي والعشرين، قطعت بكين شوطاً طويلاً في تطوير برنامجها الفضائي، وصولاً إلى بناء محطة فضاء خاصة بها والتخطيط لإرسال رواد فضاء إلى القمر بحلول عام 2030.
بداية رحلة الصين نحو الفضاء المأهول
انطلقت مسيرة برنامج الفضاء المأهول الصيني رسمياً عام 1992، مع إطلاق مشروع وطني طموح لإرسال البشر إلى الفضاء. ويُعرف هذا المشروع باسم China Manned Space Program، وهو البرنامج الذي شكل الأساس لجميع إنجازات الصين اللاحقة في مجال الرحلات الفضائية البشرية.
وفي إطار هذا البرنامج، ركزت الصين على تطوير ثلاث ركائز رئيسية: مركبات فضائية مأهولة، وصواريخ إطلاق موثوقة، وبنية تحتية مدارية تسمح بإقامة طويلة الأمد في الفضاء.
وجاءت أول ثمرة لهذا المشروع في عام 2003 عندما أصبح رائد الفضاء الصيني يانغ ليوي أول مواطن صيني يسافر إلى الفضاء على متن المركبة الفضائية Shenzhou 5، لتصبح الصين بذلك ثالث دولة في العالم ترسل إنساناً إلى الفضاء بقدراتها الذاتية بعد الولايات المتحدة وروسيا.
تطوير المركبات والمحطات الفضائية
واصلت الصين بعد ذلك تطوير برنامجها عبر سلسلة من مركبات “شنتشو” المأهولة، إضافة إلى إطلاق مختبرات فضائية تجريبية مثل Tiangong-1 وTiangong-2، اللتين مهدتا الطريق لبناء محطة فضاء كاملة.
وفي عام 2021، بدأت الصين رسمياً بناء محطتها الفضائية الدائمة Tiangong Space Station، والتي أصبحت رمزاً لقدرتها على تطوير بنية تحتية فضائية مستقلة. وتضم المحطة عدة وحدات علمية ومختبرات مخصصة لإجراء أبحاث في مجالات الفيزياء الحيوية وعلوم المواد والطب الفضائي.
وتُطلق البعثات المأهولة إلى هذه المحطة باستخدام صواريخ Long March من مركز Jiuquan Satellite Launch Center في صحراء غوبي، أحد أهم مراكز الإطلاق الفضائي في الصين.
طموحات تتجاوز المدار الأرضي
لا تقف طموحات الصين عند حدود المدار الأرضي المنخفض. فقد أعلنت بكين عن خطط لإرسال رواد فضاء صينيين إلى سطح القمر بحلول عام 2030، ضمن مشروع يهدف إلى تعزيز الوجود البشري خارج الأرض.
ويأتي هذا الهدف ضمن برنامج الاستكشاف القمري الصيني المعروف باسم Chinese Lunar Exploration Program، الذي حقق بالفعل إنجازات مهمة، مثل الهبوط على الجانب البعيد من القمر وإعادة عينات قمرية إلى الأرض.
سباق فضائي جديد
مع توسع برامج الفضاء العالمية، تدخل الصين اليوم مرحلة جديدة من المنافسة العلمية والتكنولوجية مع القوى الفضائية الكبرى. فبفضل استثمارات ضخمة في البحث العلمي والتطوير، أصبحت بكين لاعباً رئيسياً في مجال الرحلات الفضائية المأهولة.
ويبدو أن الرحلة التي تبدأ مع كل إقلاع جديد لصاروخ “لونغ مارش” ليست مجرد رحلة نحو محطة فضائية، بل خطوة أخرى في مسار طويل تسعى من خلاله الصين إلى ترسيخ مكانتها بين رواد استكشاف الفضاء في القرن الحادي والعشرين.









