الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء

أخبار المهاجر28 فبراير 2023آخر تحديث :
الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء

ذهبت محاولات الطلاء التي يقوم بها البعض لتلميع صورة المدير العام للأمن الوطني ومسؤولون آخرون من المقدسين فوق الأرض، هباء منثورا، فبعد أشرطة الفيديو ليوم أمس الأحد بشوارع العاصمة الرباط التي ظهر فيها مواطنون عُزَّل يركضون وخلفهم جحافل من قوات التدخل السريع وعناصر من الأمن الوطني، تبين أن الأمر أسوأ مما كان؛ فالعنف بأمر آمر والمقاربة الأمنية القمعية، مازالت مستمرة لإخراس كل صوت طالب بحقه في هذه البلاد السعيدة.

تبين أن بلادنا مازالت بعيدة بسنوات ضوئية عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولن تكون على أية حال كإنجلترا التي خصصت ومنذ الأزل ركنا للخطباء «سبكيرز كورنر» في حديقة «الهايد بارك» بلندن حيث يُسمح للمواطنين بالتعبير وإلقاء الخطب وإجراء النقاشات التي عادة ما تكون سياسية أو دينية.

مأساة إنسانية حقيقية تلك التي تلوح في الأفق، ورائحة الجثت والموت بدأت تفوح من مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتمارة غير بعيد عن العاصمة الرباط، ولا مسؤول حكيم تدخل لمنع إزهاق أرواح شباب في مقتبل العمر، تعرضوا لأبشع عملية غش وتدليس في التاريخ، تواطأ خلالها جميع من يلقبون هذه الأيام بـ«حماة الجدار»، ولا ضَيْرَ إذا كان حماة هذا الجدار قد انتشعت أرصدتهم وتولوا المناصب تلو المناصب بعدما حملوا محسن فكري أحد أبناء الريف جثة مُشوهة إلى متواه الأخير، بعد سحقه أمام عدسات الكاميرات في آلة لتدوير الأزبال بمدينة الحسيمة؛ صورة لن تغيب عن الأذهان كما لن ينساها القاصي والداني والأكيد أنها تؤرق حماة الجدار.

سياسة «طحن مو» مازالت مستمرة من سنة 2017 حتى سنة 2023 وطبعا ستبقى متواصلة ما دام هناك إعلام مخزني يوفر لها الغطاء اللازم ويصور مصاصي دماء أبناء هذا الوطن بحماة الجدار، كأن أزيد من 39 مليون مغربي ومغربية لا ينتمون لهذا الوطن.

ليست الحياة اليومية من تُزكي وزير حقوق الإنسان السابق النقيب محمد زيان، الذي يعي أكثر من غيره كيف تجري الأمور وكيف تدبر، وكيف يتم التواطؤ على حقوق المواطنين والتدليس عليهم تحت راية هذا الوطن. والأكيد أن رفضه لهذا كله انتهى به إلى السجن شريفا معززا.

محمد زيان ليس هو الحموشي أو الملياردير عزيز أخنوش أو الوزير/المحامي عبد اللطيف وهبي.. فشتان بين الاسم والاسم.

زيان حسب ما حكاه محامون لجريدة الحياة اليومية في إطار نقاش حول ما يتعرض له المرسبون في امتحان الأهلية لولوج مهنة المحاماة، قالوا إنه كان أول نقيب للمحامين على رأس هيئة الرباط في الفترة الممتدة ما بين 2006 و2007 و2008، (أول نقيب) جعل مصلحة أبناء الدَرَاوِيش فوق كل اعتبار، وبدل أن يدفعوا مستحقات الولوج للمهنة، التي كانت تساوي آنذاك 35 ألف درهم قبل أن تقفز اليوم إلى 100 ألف درهم وأزيد، دفعة واحدة لأن أغلبهم لن يقدر، جعلها لهم بالتقسيط المريح على مدى ثلاث سنوات، وطبعا لن يقوم بهذا سوى متشبع بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان، فلا البامي عبد اللطيف وهبي المحامي الذي تنكر لزملائه والذي فضل أن يدرس ابنه في كندا تعبيرا منه عن عدم ثقة مسؤولي هذا البلد في تعليم بلادهم، يستطيع ذلك، ولا الاستقلالي عبد الواحد الأنصاري الذي كانت فرصته من ذهب حتى يتلصص المقاعد لابنه وابنته وأبناء من عائلته، يقدر على الأمر.

تحت مسمى الوطن وقعت مجازر حقوقية كثيرة ومازالت تقع، وتحت راية هذا الوطن تم اعتقال صحفيين ومدونين وشباب من خيرته، وتحت مسمى زعزعة النظام والاستقرار تم توزيع عشرات السنين على هؤلاء، في حين أن الاستقرار الحقيقي هو توفير الخبز، هو الشغل، هو الصحة، هو التعليم..

ما يحدث في المغرب العربي اليوم يوحي بربيع عربي يلوح في الأفق، ربيع عربي لن ينجو منه هذه المرة لا الأخضر ولا اليابس ولن يستطيع عبد الإله بنكيران تحت رداء الدين ولا حزبه الذي بات في عداد الموتى، شيئا؛ لن يستطيعوا هذه المرة بيع الوهم للمغاربة كما لن يستطيعوا حجب الحقيقة عن المواطنين وتحويرها. كما هو شأن عزيز أخنوش الذي جعل المواطنين تجارة رابحة، أتى لا يفكر في شيء سوى في مصالحه ومصالح اللوبيات التي تحميه في هذا الوطن، فقد صدق من قال بأن الوطن للأغنياء، والوطنية للأغبياء.

وعى أغلب المحتجين بأنه من الغباء أن يعتنق المرء حب وطن لا يجد فيه حتى أبسط شروط العيش الكريم، ومن الغباء أن يكون مستعدا للدفاع عن هذا الوطن.

هل يُعقل أن يفتخر الأفراد بوطن لا توجد فيه حتى أبسط شروط الحياة؟ في مجتمعنا أصبح الجواب سلبا، فقد فطنت أغلب الفئات الهشة والمسحوقة بأن الوطنية ورقة خاسرة في يد الفقراء، بينما الوطن ورقة رابحة في يد الأغنياء، يفعلون بها ما يشاؤون: يتجبرون، يتسلطون، يتغولون، ويزدادون بها غنى.

الوطنية الحقيقية ليست في الاستفادة من الريع والامتيازات وضمان أجر سمين مريح نهاية كل شهر وسيارة VIP وخدم وحَشَمْ وبونات البنزين والديزل، بل الوطنية تتمثل في التضحية بالمال والبنون بالغالي والنفيس من أجل الوطن تلك هي الوطنية الحَقَة، أن ترابط في الحدود مضحيا بزهرة شبابك وأن تخسر حريتك فقط لأنك قلت كلمة حق ابتغيت من ورائها تغييرا، فأن تكون وطنيا بالبْزُولة تلك وطنية مزيفة لا حاجة للمغرب وللمغاربة بها.

احتجاجات وحِراكات يحاول من خلالها الكادحون أخذ نصيبهم من هذا الوطن الذي فقدوا فيه كل شيء، بعدما اقتنعوا بأن الموازين يجب أن تتغير أو على الأقل أن تعتدل حتى نرى هل بإمكان الأغنياء أن يعترفوا بأن شغلهم الشاغل لم يكن أكثر من ضمان عيش كريم وحياة الرفاهية، وأن الوطن لا يهمهم أمره في شيء بل ما يهمهم هو ثرواته، وما حماة الجدار سوى حماة لمصالحهم ولامتيازاتهم التي لا يجب أن يوضع لها حَدٌ.

تحت مفهوم السيادة الوطنية تم تمرير الكثير من المغالطات؛ تحدثوا عن زعامة دولية وجهوية، والحال أن بلدنا بمسؤوليه الحاليين مازالت تتخبط في مشاكلها الداخلية المفتعلة؛ قضايا الرأي والغلاء… التي يمكن حلها بجرة قلم.

يصعب في بلد مثل المغرب أن تدعي زعامة دولية أو حتى جهوية، حيث إن المعيار الوحيد الذي يمكن أن يؤكد ارتباطه بالعالم لا يمكن إلا أن يكون روحيا: عقائديا وحقوقيا إنسانيا.

فهل بورقة الإسلام وبهذا الوجه الحقوقي الشاحب يطمح المغرب لزعامة دولية وجهوية، الأكيد لا، بل هل يمكنه أن يلعب دورا رياديا، وهل في مقدوره أن يجعل العالم أجمعَ مسلما، طبعا لا، فنعمة الإسلام أمر رباني لا دخل لأيدي العبد فيها، والمسلم الحق هو من يعطي القُدوة الحسنة عبر التحلي بالقيم الكونية من حريات وكرامة، وهو الأمر الذي طالما اقترحه النقيب محمد زيان في إطار نظرته للسياسة الخارجية العاجزة، ذلك أن ادعاء السيادة الوطنية قصد تبرير رفض احترام الالتزامات الدولية التي ليست في المنطلق سوى مبادئ للالتحاق بركب المجتمع الدولي، موقف سلبي لا مستقبل له.

هو تفكير متجاوز إذن في منطقة كشمال إفريقيا المرتبطة جغرافيا بأوروبا، دون غيرها، منذ معاهدة «ويستفاليا» لسنة 1648، في زمن كان البحث عن السيادة يمتد إلى الأراضي التي كان من الممكن غزوها عسكريا وانضواؤها تحت لواء واحد.

هذا الأسلوب المتجاوز الذي أدى إلى فرض مبدإ توازن القوى في العلاقات الدولية، يطرح أكثر من سؤال حول ما يمثله المغرب كقوة أمام بلدان رائدة في العالم كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، أو القوى الجديدة كالصين والهند؟

الحرب الحالية بأوكرانيا أظهرت بالملموس بأن توازن القوى ناتج عن تحالفات عسكرية، وقادة العالم الذين سجلوا بأن فيدرالية روسيا تستهلك يوميا من الذخيرة العسكرية ما تستهلكه أوروبا في شهر أصبحوا واعِين بأن توازن القوى يكمن في ضمان السِلْم والاستقرار، وهي الفكرة التي مازالت مجرد وهْم لعدد كبير من بلدان العالم، علما أن قوى مثل فرنسا وإيطاليا وكندا مازالت في حاجة ماسة إلى الغَيْر لضمان هذا التوازن؛ توازن القوى وتوازن المصالح.

لن يبقى للعالم سوى احترام المبادئ الكونية لحقوق الإنسان تفاديا للحروب وضمانا للقيم الداخلية وخاصة العقادية منها.

إن كل مجهود لمحاولة الانسياق وراء فكرة السيادة الوطنية محاولة كاريكاتورية بئيسة، ذلك أنه كما يقول المثل الإسباني: «أفضل أن أكون ذيل أسد على أن أكون رأس فأر»، هذا في حال ما إذا اختار المغرب أن يكون رأس فأر خوفا من أن يصير مجرد ذيلٍ لأسد، غير أنه مع كل هذه المتغيرات الإقليمية والجهوية والدولية غير المحسوبة سنصبح حتما بذيل فأر وليس رأسه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة