
هناك الآلاف من اللغات في العالم، والمترجمون هم الخيط غير المرئي الذي يجعل متحدثي هذه اللغات على تواصل في ما بينهم؛ إنها الترجمة وحدها التي تدمج الثقافات وتجعل جسر الاتصال دائما ممدودا، واضعة التفاهم وتقبُّل الآخر شرطا لعبوره. في إطلالة على واقع الترجمة وأهميتها كان هذا الحوار مع المترجم العماني أيمن بن مصبح العويسي.
مسقط – حقق المترجم العُماني أيمن بن مصبح العويسي حضورا أدبيا مُغايرا من خلال تتبعه لأثر الثقافة العُمانية وجذورها في كتابات الباحثين الغربيين، فهناك العديد من الكتب النوعية التي قام بنقلها إلى العربية ولاقت إقبالا مميزا من قِبل المتتبعين للتاريخ العُماني منذ عقود ماضية حتى يومنا الحاضر.
من بين تلك الكتب التي نقلها المترجم أيمن العويسي إلى اللغة العربية كتاب “تاريخ عُمان الحديث”، الذي حظي بجائزة الإبداع الثقافي لعام 2021 (الدورة الثانية عشرة)، كأفضل إصدار في الترجمة من لغات مختلفة إلى اللغة العربية، مناصفة مع كتاب “دولة زنجبار العربية” للمترجمة رحمة الحبسية، وقد نظّمتها الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء.
ويستعرض هذا الكتاب تاريخ عُمان الحديث بدءا من القرن الثامن عشر حتى يومنا هذا، ويضم بين جنباته أحدث الدراسات العلمية التي كُتِبت عن عُمان، يتخللها بعض التحليلات التي استقاها الكاتبان جيرمي جونز ونیكولاس ریدوت من قراءتهما للسياسات التي تنتهجها عُمان الحديثة فضلا عن علاقاتها الدولية في الوقت الراهن، حيث انتهج الكاتبان نهجا مميزا وجديدا في دراسة التاريخ العُماني، ومزجا بين الدراسات السياسية والثقافية.
ويتناول الكتاب أيضا مجموعة من المواضيع المهمة حول عُمان من بينها “الكوزموبوليتانية التاريخية” العُمانية، والدور العُماني المميّز دينيا وفي الحياة الثقافية والسياسية في المنظقة، ودور عُمان في الاقتصاد العالمي في القرن العشرين.
التواصل بين الثقافات
الترجمة وحدها التي تدمج الثقافات
في هذا الإطار يتحدّث المترجم أيمن العويسي أيضا عن الأسباب التي دعته إلى ترجمة كتاب آخر حمل عنوان “عُمان الثقافة والدبلوماسية” والخطوات المحفّزة للأخذ بهذا المشروع ويقول مُفصلا “حين ترجمتُ كتاب تاريخ عُمان الحديث للكاتبين البريطانيين جيرمي جونز ونيكولاس ريدوت في عام 2018، رأيت فيه إشارات كثيرة لكتاب ‘عُمان الثقافة والدبلوماسية‘، فقررت قراءته لأرى إمكانية تبنّيه ليكون المشروع القادم؛ لما رأيت فيه من مواضيع مهمة تتصل بالثقافة العُمانية ومساهمتها في صياغة الدبلوماسية العُمانية بشكلها الحديث، وكعادته أبدى محمد هادي مدير دار الرافدين استعداده لتبنّي هذا المشروع والبدء في إجراءات الحصول على حقوقه، لكن اللجنة الوطنية للشباب في عُمان (سابقا) كانت قد حصلت على حقوقه لأحد مشاريعها، وبعد تواصل معهم عقدنا شراكة بين اللجنة والدار للشروع في هذا العمل الذي أرجو أن يكون إضافة للمكتبة العربية”.
ويُضيف العويسي مُفسّرا ماهية الكتاب وما جاء فيه من تفاصيل “تناول الكاتبان في صفحات كتاب ‘عُمان الثقافة والدبلوماسية‘ مجموعة من المواضيع المتعلّقة بنشأة الدبلوماسية العُمانية وعلاقتها بثقافة البلاد وكيف أثّر كلّ منهما في الآخر“.
وقسَّم الكاتبان عملهما إلى ثلاثة أجزاء؛ تناول الجزء الأول كوزموبوليتانية العُماني وانفتاحه على المحيط الهندي، وناقشا مساهمة هذا الانفتاح في تشكيل ثقافة الدبلوماسية العُمانية، وينتقلُ الكاتبان في الجزء الثاني لتحليل علاقات عُمان بمحيطها بدءا من أعمال القرصنة في الخليج والمحيط خلال تلك الحقبة، وعلاقات عُمان بالقوى البارزة آنذاك كجمهورية ميسور والإنجليز وأميركا وفرنسا وغيرها.
ويختتم الجزء الثالث من هذا الكتاب بالحديث عن إدارتها للعلاقات مع جيرانها، ودورها في عملية السلام في الشرق الأوسط، وينتهي هذا الجزء الأخير بسرد مبادرات عُمان في سبيل تعزيز دبلوماسيتها الخارجية كالكراسي العلمية والرحلات البحرية التي تُعيد إحياء أمجاد أسلاف العُمانيين.
وفي ما يتعلّق بالنهج المُتّبع لترجمة هذا الكتاب يُشير العويسي إلى أنه انتهج ذات النهج الذي اتبعه في ترجمة كتاب “تاريخ عُمان الحديث” بالرجوع إلى المصادر التاريخية وأهل الاختصاص في التاريخ للتحقق من بعض المعلومات الواردة في الكتاب وكيف كانت في أصلها.
يلفت العويسي إلى كيفية مساهمة الترجمة في تضييق الفجوة الثقافية بين الشعوب، وأكثر المجالات حظوظا في نقلها للآخر ضمن سياق الترجمة وهنا يقول “هناك مفاهيم تتبادر إلى أذهاننا عند الحديث عن الترجمة؛ مثل اللغات والثقافات والحضارات والتفاهم والتواصل وغيرها؛ لكونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالترجمة؛ فهي في جوهرها انتقال بين لغتين وثقافتين وحضارتين بهدف مدّ جسور التواصل والتفاهم بينهما”.








