بين الاختصاص والحياد، يبرز اليوم نقاش واسع حول تدخل النيابة العامة في ملفات يغلب عليها الطابع المدني، حيث يتم استدعاء مواطنين أو حتى تقديمهم أمام وكيل الملك بناء على شكايات تتعلق بنزاعات مدنية خالصة، مثل العقود أو الديون أو المعاملات المالية بين أطراف متنازعة. هذه الممارسات تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى احترام النيابة العامة لاختصاصها المحدد في القانون، وحول حدود تدخلها في قضايا لا تدخل ضمن المجال الزجري.
القانون يعطي للنيابة العامة دور تحريك الدعوى العمومية في مواجهة أفعال يُشتبه في أنها تُكوّن جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي، بينما النزاعات المدنية يفترض أن تُعرض على المحاكم المدنية المختصة دون تدخل من الجهات الزجرية، حفاظا على حقوق الأطراف وضمانا للحياد والاستقلال في معالجة القضايا. إلا أن الواقع يعكس أحيانا توجها مخالفا، حيث يُستدعى أشخاص للتحقيق أو للمثول أمام النيابة رغم أن الوقائع الواردة في الشكاية لا تحمل أي طابع جنحي أو جنائي.
هذا التدخل، وإن تم باسم القانون، قد يتحول في بعض الحالات إلى وسيلة ضغط من طرف على آخر، ويؤدي إلى طمس الحدود بين ما هو مدني وما هو زجري، بل ويضرب مبدأ التخصص في العمق، ويعرض المواطنين لمسطرة زجرية لا محل لها قانونا. وهنا يظهر الخلل الذي يستدعي التوقف عنده بجدية، خاصة وأن استقلال النيابة العامة لا يعني التصرف خارج الإطار الذي رسمه لها القانون.
لا بد من التأكيد أن نواب وكيل الملك، رغم استقلالهم في اتخاذ القرارات، عليهم واجب احترام طبيعة الشكايات المعروضة عليهم، والتفريق بين ما يدخل ضمن اختصاصهم وما يجب أن يُحال على المساطر المدنية. فحين يتعلق الأمر بنزاع بين طرفين حول عقد أو معاملة، دون وجود عنصر احتيال أو تزوير أو خرق للقانون الجنائي، فإن تدخل النيابة لا يجد له أي سند قانوني سليم، بل يفتح الباب لتأويلات وشكوك حول حياد المؤسسة.
الالتزام الصارم بالقانون والاختصاص هو وحده الكفيل بحماية حقوق المواطنين وضمان عدالة متوازنة، تقوم على احترام الحدود بين المساطر وتُرجع لكل جهة قضائية دورها الطبيعي دون تداخل أو خلط.
بقلـم – ذ.ع.الكـداوي









