كريمة خميس/أخبار المهاجر
يشهد المغرب في الآونة الأخيرة موجة من الاحتجاجات تقودها فئة الشباب المنتمين إلى ما يُعرف بـ”جيل Z”، جيل وُلد في زمن العولمة والاتصال الرقمي، ويتحرك اليوم خارج الأطر التقليدية التي ظلت تؤطر الفعل السياسي والاجتماعي لعقود.
هذه التحركات لم تعد مجرد ردود فعل آنية، بل تعبير عميق عن تحوّل اجتماعي واقتصادي وثقافي يعصف بالبنية الكلاسيكية للعلاقة بين المواطن والدولة.
جيل رقمي.. خارج الوسائط التقليدية
يتميز جيل Z بارتباطه الوثيق بالفضاء الرقمي، واعتماده على شبكات التواصل الاجتماعي كمنصّة للتعبير والتعبئة، بدل الانخراط في الأحزاب أو النقابات.
هذا التحول أربك الدولة والفاعلين السياسيين الذين وجدوا أنفسهم أمام فاعل جماعي جديد لا قيادات له ولا وسطاء واضحين.
ففي حين كانت الاحتجاجات سابقًا تمر عبر قنوات مؤطرة، باتت اليوم تنطلق من منشور أو فيديو على “تيك توك” أو “إنستغرام”، لتتحول بسرعة إلى حراك ميداني واسع.
تحديات اجتماعية واقتصادية ضاغطة
يأتي هذا الغضب الشبابي في سياق يعرف أزمات متراكمة:
• ارتفاع البطالة، خاصة بين خريجي الجامعات.
• ضعف جودة التعليم العمومي.
• تراجع الخدمات الصحية.
• غلاء المعيشة واتساع الفوارق الاجتماعية.
كل ذلك جعل فئة واسعة من الشباب تشعر بالإقصاء وفقدان الأمل، في ظل غياب آليات حقيقية للاستماع لمطالبها.
كما أن تآكل الثقة في الخطاب الرسمي، وتكرار الوعود غير المنجزة، زاد من شعور الإحباط، فبات الشارع فضاءً بديلاً للتعبير والاحتجاج.
أزمة تمثيلية وغياب بدائل
الأحزاب السياسية والنقابات تبدو عاجزة عن استيعاب هذا الجيل الذي لا يجد نفسه في خطاباتها ولا في أساليبها.
جيل Z لا يؤمن بالانتظار أو المساومة الطويلة، بل يبحث عن نتائج ملموسة.
إنه جيل يرى في الدولة مؤسسة مطالبة بالاستجابة السريعة، لا كيانًا فوقيًا يقرر نيابة عنه.
وهو ما يجعل الاحتجاجات الحالية ليست فقط مطالب اجتماعية، بل أيضًا صرخة سياسية ضد أزمة التمثيلية.
الرهان: من الغضب إلى التغيير
ورغم ما يرافق بعض التحركات من توتر أو تجاوزات، إلا أن جوهر احتجاجات جيل Z يحمل دلالات إيجابية: وعي متزايد بالحقوق، ورفض للجمود، ورغبة في المشاركة الفعلية في بناء المستقبل.
الرهان المطروح اليوم أمام الدولة هو كيف تُحوّل هذه الطاقة الغاضبة إلى قوة اقتراحية إصلاحية، بدل أن تتحول إلى صدام دائم.
الحلول الممكنة
أولاً: فتح قنوات للحوار
يجب إشراك الشباب في اتخاذ القرار عبر مجالس شبابية محلية وجهوية، تكون فضاءً للتعبير والمساهمة في رسم السياسات العامة.
ثانيًا: إصلاح التعليم والتشغيل
تحسين جودة التعليم العمومي وربطه بسوق الشغل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة كآلية لخلق فرص عمل حقيقية.
ثالثًا: بناء الثقة من خلال الصدق والشفافية
الاعتراف بالأخطاء، والإفصاح عن الخطط بوضوح وجدولة الإنجازات، خطوة ضرورية لاستعادة المصداقية في المؤسسات.
رابعًا: مراجعة المقاربة الأمنية
التعامل مع التظاهر السلمي باعتباره حقًا دستوريًا، مع اعتماد أساليب احتواء وحوار بدل المنع والقمع.
خامسًا: تمكين ثقافي ومدني
تعزيز الوعي الحقوقي، ودعم المبادرات الثقافية والفنية التي تتيح للشباب التعبير عن قضاياه بوسائل حضارية وبنّاءة.
خاتمة
احتجاجات جيل Z ليست تمرّدًا على النظام بقدر ما هي صرخة من أجل الكرامة والمشاركة والعدالة.
إنها دعوة صريحة لإعادة النظر في النموذج التنموي والسياسي، وبناء علاقة جديدة بين الدولة ومواطنيها تقوم على الثقة والاحترام المتبادل.
فجيل اليوم لا يريد أن يُدار من فوق، بل أن يُسمع من الداخل، لأن المستقبل لن يُبنى إلا بمشاركته.









