الشريف محمد مومن
مدريد – تقترب الحكومة الإسبانية من اعتماد واحدة من أكثر الإصلاحات القانونية إثارة للجدل في مجال الهجرة، بعدما أُغلقت في 6 فبراير 2026 مرحلة المشاورات العامة حول مشروع تعديل لائحة الأجانب الصادرة بموجب المرسوم الملكي رقم 1155/2024، ليُحال النص إلى مجلس الدولة تمهيداً لعرضه على مجلس الوزراء.
المسودة الثانية، التي جاءت بعد إدخال تعديلات على المقترح الأولي، تُؤسس لإطار استثنائي للتسوية الجماعية لأوضاع آلاف المهاجرين المقيمين في إسبانيا بشكل غير نظامي، مع إعادة هيكلة عدد من المواد القانونية القائمة.
تسوية مشروطة بإقامة متواصلة
أبرز ما حمله المشروع الجديد هو اشتراط الإقامة المتواصلة داخل الأراضي الإسبانية لمدة خمسة أشهر قبل تقديم الطلب، دون أي انقطاع. ويُعد هذا الشرط من أكثر النقاط حساسية، إذ لا يسمح بأي مغادرة خلال الفترة المحددة، ما يجعله معياراً حاسماً لقبول الطلبات.
كما يستبعد المشروع الأشخاص الذين يتوفرون على تصريح إقامة ساري المفعول أو الذين لديهم طلبات إقامة قيد المعالجة، إضافة إلى المواطنين الأوكرانيين المستفيدين من الحماية المؤقتة الأوروبية.
مساران للتسوية
ينص المشروع على مسارين رئيسيين:
أولاً: البند الانتقالي الخامس
ويستهدف طالبي الحماية الدولية الذين أعلنوا نيتهم التقدم بطلب اللجوء قبل 1 يناير 2026. ويشترط بلوغ سن الرشد، وعدم التوفر على إقامة أخرى، وحيازة جواز سفر ساري، وخلو السجل الجنائي، إضافة إلى دفع الرسوم الإدارية.
في حال الموافقة، يحصل المستفيد على تصريح إقامة لمدة سنة واحدة مع حق العمل منذ اليوم الأول في جميع القطاعات وعلى كامل التراب الإسباني، مع إمكانية ضم أفراد الأسرة المباشرين. كما يؤدي منح التصريح إلى تعليق مسطرة اللجوء وإسقاط أي إجراءات طرد بسبب الإقامة غير النظامية.
ثانياً: البند الانتقالي السادس
ويخص المهاجرين غير النظاميين الذين لم يطلبوا الحماية الدولية، شريطة إثبات وجودهم في إسبانيا قبل 1 يناير 2026، إضافة إلى توفر أحد الشروط التالية:
– إثبات عمل سابق أو التزام بعقد عمل يتجاوز 90 يوماً في السنة.
– أو إثبات العيش مع أبناء قاصرين أو ذوي إعاقة أو أصول من الدرجة الأولى.
ويُعتبر وضع الإقامة غير النظامية في حد ذاته مؤشراً على الهشاشة الاجتماعية، ويمكن لمنظمات القطاع الثالث المعتمدة توثيق هذه الحالة.
تعديلات جوهرية في مواد القانون
إلى جانب الأحكام الانتقالية، يقترح المشروع تعديلات مهمة، من بينها منح أفراد عائلات المواطنين الإسبان تصريح عمل مؤقت منذ قبول الطلب، وتشديد شروط التمديد بإثبات البحث النشط عن عمل، ومنع الجمع الاحتيالي بين أنظمة الإقامة المختلفة.
كما أُدرجت فقرة جديدة تسمح بتنظيم تحركات جماعية استثنائية إلى إسبانيا في حالات الأزمات الدولية الحادة، حتى في غياب حماية دولية رسمية، ما يمنح الحكومة أداة مرنة للتعامل مع الطوارئ الجيوسياسية.
مخاوف من الضغط الإداري والرفض التلقائي
ورغم الترحيب الذي لقيه المشروع في أوساط منظمات حقوق المهاجرين، أثيرت عدة تحفظات، أبرزها احتمال الضغط الكبير على مكاتب الهجرة في حال عدم توفير موارد بشرية كافية، إضافة إلى احتمال تفاوت معايير تقييم “الهشاشة” بين المناطق.
ومن النقاط المثيرة للجدل أيضاً أن رفض الطلب يعني فقدان التصريح المؤقت تلقائياً دون فترة انتقالية، ما قد يفتح الباب أمام إعادة تفعيل إجراءات الطرد بسرعة.
تحفّظ أوروبي
المفوضية الأوروبية عبّرت بدورها عن ضرورة ضمان عدم ترتب “عواقب سلبية” على بقية دول الاتحاد، مشددة على احترام القواعد الأوروبية المنظمة لخطط التسوية الوطنية.
الخطوات المقبلة
بعد رأي مجلس الدولة، سيُعرض النص على مجلس الوزراء للمصادقة النهائية، قبل نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ، مع احتمال إدخال تعديلات أخيرة على الصياغة.
وبين الرهان على الإدماج الاجتماعي ولمّ شمل الأسر، والهواجس المرتبطة بالإدارة والتنسيق الأوروبي، تبقى هذه التسوية الاستثنائية محطة مفصلية في سياسة الهجرة الإسبانية، قد تعيد رسم ملامح التعامل مع ملف طالما ظل من أكثر القضايا حساسية في أوروبا.









