.
في كل مرة يحل وزير أو مسؤولة حكومية بإقليم قلعة السراغنة، يتكرر المشهد نفسه بشكل يكاد يكون مثيراً للسخرية؛ مسؤولون ومنتخبون يتسابقون نحو الصفوف الأمامية لالتقاط الصور، وصفحات التواصل الاجتماعي تمتلئ بمنشورات الانتصارات الوهمية، وكأن المشاريع نزلت من السماء بقدرة منشور على “فيسبوك” أو صورة جماعية أمام عدسات الكاميرات.
لكن خلف هذا الضجيج الإعلامي، يطرح الشارع السرغيني سؤالاً بسيطاً ومحرجاً في الآن نفسه: من الذي يشتغل فعلاً؟ ومن الذي يكتفي بركوب موجة الإنجازات؟
الواقع يقول إن جلب الاستثمارات وإقناع القطاعات الحكومية ببرمجة المشاريع لا يتم داخل المقاهي ولا عبر التعليقات الإلكترونية، بل من خلال اجتماعات مطولة، ومفاوضات شاقة، وعقود شراكة، وتتبع يومي للملفات. إنها عملية مؤسساتية معقدة يقودها مسؤولون يشتغلون بعيداً عن الأضواء، بينما يكتفي البعض بانتظار لحظة الإعلان عن أي مشروع ليظهر فجأة وكأنه صاحبه وعرابه ومهندسه الأول.
سياسيون يوزعون المشاريع قبل أن ترى النور
الغريب أن بعض الوجوه السياسية أصبحت متخصصة في تسويق مشاريع لا وجود لها إلا في التصريحات والمنشورات. يعلنون عن استثمارات ضخمة، ويتحدثون عن وعود كبرى، ثم يختفون عندما يحين موعد التنفيذ أو المساءلة.
سنوات من الخطابات الرنانة مرت على الإقليم، لكن المواطن لم يعد ينبهر بالكلمات الكبيرة. فالشباب العاطل لا يبحث عن صورة مع وزير، والفلاح لا تهمه التدوينات الحماسية، وساكنة العالم القروي لا تقيس التنمية بعدد “الإعجابات” على مواقع التواصل الاجتماعي.
في الوقت الذي تتكثف فيه اللقاءات الرسمية والاتصالات مع المستثمرين والقطاعات الوزارية لتأهيل الإقليم وجلب مشاريع جديدة، ينشغل البعض بحسابات أخرى؛ من سيظهر في الصورة؟ ومن سيصدر البلاغ؟ ومن سينسب الإنجاز لنفسه؟
إنها معادلة غريبة تجعل بعض المنتخبين أكثر نشاطاً أمام الكاميرات منهم داخل المؤسسات التي انتخبوا من أجلها. فبدل تقديم حصيلة ملموسة للرأي العام، يفضلون العزف على أوتار الدعاية السياسية، وكأن التنمية أصبحت مسابقة في “ضرب البندير” لا ورشاً مفتوحاً لخدمة المواطنين.
اليوم، لم يعد المواطن بتلك السذاجة التي كان يراهن عليها البعض. لقد أصبح يميز بين من يوقع اتفاقيات وشراكات ويطرق أبواب الوزارات بحثاً عن فرص للإقليم، وبين من يكتفي بجني ثمار جهود الآخرين.
فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى مكبرات صوت، والمشروع الناجح يتحدث عن نفسه، أما الصور والمنشورات فسرعان ما تبتلعها ذاكرة مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي النهاية، سيبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل يحتاج إقليم قلعة السراغنة إلى مزيد من صناع التنمية، أم إلى عدد أقل من محترفي “ضرب البندير” السياسي؟ :::
بقلم.ع.م









